أحمد بن علي القلقشندي

320

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بها اللئيم . وقد ذكر عن الشافعيّ رضي اللَّه عنه أو غيره من بعض الأئمة الأربعة : أنه كان يحفظ ديوان هذيل ؛ وأمّا قول الشافعيّ رضي اللَّه عنه : ولولا الشّعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد فإنه يريد من صرف همته إلى الشعر ، بحيث صار شأنه وديدنه ، وهو المعنيّ بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « لأن يملأ أحدكم جوفه قيحا خير من أن يملأه شعرا » أي أراد صرف همته إليه حتى يملأ جوفه منه . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « إنّ من الشّعر لحكمة » . وكان عمر رضي اللَّه عنه يسمع البيت يعجبه فيكرره مرات كما ذكره الجاحظ وغيره . وقد ذكر أبو البركات بن الأنباري ( 1 ) في كتاب « طبقات الأدباء » في ترجمة أبي جعفر أحمد بن إسحاق البهلول بن حسان الأنباري : أنه كان فقيها ، عالما ، واسع الأدب وتقلد القضاء لعدة من الخلفاء . ثم حكى عن ولده أبي طالب أنه قال كنت مع والدي في جنازة بعض أهل بغداد من وجوه الناس وإلى جانبه أبو جعفر الطبري ( 2 ) ، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسلَّيه ، وينشده أشعارا ، ويروي له أخبارا ، فداخله الطبريّ في ذلك ، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة ، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم استحسنها الحاضرون وأعجبوا بها ، وتعالى النهار وافترقنا ، فقال لي أبي يا بنيّ من هذا الشيخ الذي داخلنا في المذاكرة ؟ فقلت : يا سيدي كأنك لم تعرفه ، فقال لا ، فقلت : هذا أبو جعفر الطبريّ ، فقال إنا للَّه ! ما أحسنت عشرتي معه ؛ فقلت كيف يا سيدي ؟ قال : ألا نبّهتني في الحال ، فكنت أذاكره بغير تلك المذاكرة ؟ هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف العلوم ، ما ذاكرته بحسبها ؛ ومضت على ذلك مدة فحضرنا في حقّ ( 3 ) آخر وجلسنا ، وإذا

--> ( 1 ) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللَّه الأنصاري ، من علماء اللغة والأدب وتاريخ الرجال . توفي سنة 577 ه له : « نزهة الألباء في طبقات الأدباء » و « الإغراب في جدل الإعراب وأسرار العربية » ( الأعلام 3 / 327 ) . ( 2 ) هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري المؤرخ المفسّر الإمام . ( الأعلام 6 / 69 ) . ( 3 ) أحد معاني الحقّ : البيت . وهي مناسبة هنا . ( اللسان 10 / 56 ) .