أحمد بن علي القلقشندي
284
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
« حدثنا الخزاعيّ بمكة ، عن أبي ميسرة ، قال حدثنا محمد بن أبي فليح عن عيسى بن دوأب بن المتّاح ، قال : سمعت مولاي أبا عبيدة يقول : لما استقامت الخلافة لأبي بكر رضي اللَّه عنه بين المهاجرين والأنصار ، بعد فتنة كاد الشيطان بها . فدفع اللَّه شرّها ويسرّ خيرها ، بلغ أبا بكر عن عليّ تلكَّؤ وشماس ، وتهمّم ونفاس . فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة ، وتشتعل الجمرة ، وتتفرّق ذات البين ؛ فدعاني بحضرته في خلوة ، وكان عنده عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه وحده فقال : يا أبا عبيدة ما أيمن ناصيتك ، وأبين الخير بين عينيك ؛ وطالما أعزّ اللَّه بك الإسلام وأصلح شأنه على يديك ، ولقد كنت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم بالمكان المحوط ، والمحل المغبوط ؛ ولقد قال فيك في يوم مشهود » لكلّ أمّة أمين وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة « ولم تزل للدّين ملتجأ ، وللمؤمنين مرتجا ؛ ولأهلك ركنا ، ولإخوانك ردءا ( 1 ) . قد أردتك لأمر خطر مخوف ، وإصلاحه من أعظم المعروف ، ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورفقك ، ولم تجب حيّته برقيتك ، وقع اليأس ، وأعضل البأس ، واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمرّ منه وأعلق ، وأعسر منه وأغلق ؛ واللَّه أسأل تمامه بك ، ونظامه على يديك . فتأتّ ( 2 ) له أبا عبيدة وتلطَّف فيه ، وانصح للَّه عز وجل ولرسوله صلى اللَّه عليه وسلَّم ، ولهذه العصابة غير آل جهدا ، ولا قال حمدا ، واللَّه كالؤك وناصرك ، وهاديك ومبصّرك ، إن شاء اللَّه . امض إلى عليّ واخفض له جناحك ، واغضض عنده صوتك ، واعلم أنه سلالة أبي طالب ، ومكانه ممن فقدناه بالأمس صلى اللَّه عليه وسلَّم مكانه ، وقل له البحر مغرقة ، والبر مفرقة ، والجوّ أكلف ( 3 ) ، والليل أغدف ( 4 ) ، والسماء جلواء ، والأرض صلعاء ، والصّعود
--> ( 1 ) فلان ردء لفلان أي ينصره ويشدّ أزره ( اللسان 1 / 84 ) . ( 2 ) تأتى فلان للأمر أي تهيأ له وأتاه من وجهه . ( 3 ) لونه بين السواد والحمرة . ( اللسان 9 / 306 ) . ( 4 ) أغدودف الليل وأغدف أي أقبل وأرخى سدوله شديدة السواد . ( اللسان 9 / 262 ) .