أحمد بن علي القلقشندي
285
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
متعذّر ، والهبوط متعسّر ، والحق عطوف رؤوف ، والباطل عنوف عسوف ، والعجب قدّاحة الشر ، والضّغن رائد البوار ، والتعريض شجار الفتنة ، والقحة ثقوب العداوة ، وهذا الشيطان متّكىء على شماله ، متحيّل بيمينه ، نافخ خصييه ( 1 ) لأهله ، ينتظر الشّتات والفرقة ، ويدبّ بين الأمّة بالشحناء والعداوة ، عنادا للَّه عز وجل أوّلا ، ولآدم ثانيا ، ولنبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ودينه ثالثا ، يوسوس بالفجور ، ويدلي بالغرور ، ويمنّي أهل الشّرور . يوحي إلى أوليائه زخرف القول غرورا بالباطل ، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وعادة له منذ أهانه اللَّه تعالى في سالف الدهر لا منجى منه إلا بعضّ الناجذ على الحق ، وغضّ الطرف عن الباطل ، ووطء هامة عدوّ اللَّه بالأشدّ فالأشدّ ، والآكد فالآكد ، وإسلام النفس للَّه عز وجل في ابتغاء رضاه . ولا بدّ الآن من قول ينفع إذا ضرّ السّكوت وخيف غبّه ؛ ولقد أرشدك من أفاء ضالَّتك ، وصافاك من أحيا مودّته بعتابك ، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك ؛ ما هذا الذي تسوّل لك نفسك ، ويدوي به قلبك ، ويلتوي عليه رأيك ، ويتخاوص ( 2 ) دونه طرفك ، ويسري فيه ظعنك ، ويترادّ معه نفسك ، وتكثر عنده صعداؤك ، ولا يفيض به لسانك . أعجمة بعد إفصاح ؟ أتلبيس بعد إيضاح ؟ أدين غير دين اللَّه ؟ أخلق غير خلق القرآن ؟ أهدي غير هدي النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، أمثلي « تمشي له الضّراء وتدبّ له الخمر » ( 3 ) ، أم مثلك ينقبض عليه الفضاء ، ويكسف في عينه القمر ؛ ما هذه القعقعة بالشّنان ؟ وما هذه الوعوعة باللسان ؟ إنك واللَّه جدّ عارف باستجابتنا للَّه عز وجل ولرسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا ، هجرة إلى اللَّه عز وجل ، ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كنّ الصبا ، وخدر الغرارة ، وعنفوان
--> ( 1 ) في اللسان : نافخ حضنيه . أي منتفخ مستعد لأن يعمل عمله من الشر ، فتأمل . ( 2 ) تخاوص الرجل : غضّ من بصره شيئا ، وهو في كل ذلك يحدق النظر كأنه يقوّم سهما . ( اللسان 7 / 31 ) . ( 3 ) مثل يضرب لمن يختل صاحبه ولا يصرّح له الأمر . ومثله : أوطأه عشوة . ( جمهرة الأمثال 1 / 453 ) .