أحمد بن علي القلقشندي
269
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ وكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) * ( 1 ) مع أن امرأ لم يكن منها في حبرة ، إلا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق من سرّائها بطنا ، إلا منحته من ضرّائها ظهرا . ولم تصله غيثة ( 2 ) رخاء ، إلا هطلت عليه مزنة بلاء . وحريّة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة . وأيّ جانب منها اعذوذب واحلولى ، أمرّ عليه منها جانب وأوبا ( 3 ) . فإن آتت امرأ من غصونها ورقا أرهقته من نوائبها تعبا . ولم يمس منها امرؤ في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف ، غرّارة : غرور ما فيها ؛ فانية : فان من عليها ، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى . من أقلّ منها استكثر مما يؤمّنه . ومن استكثر منها ، استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ، ويبكي عينه . كم واثق بها قد فجعته ، وذي حكم ثنته إليها قد صرعته ، وذي احتيال فيها قد خدعته . وكم ذي أبّهة فيها قد صيّرته حقيرا ، وذي نخوة قد ردّته ذليلا . ومن ذي تاج قد كبّته لليدين والفم . سلطانها دول . وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ( 4 ) . قطافها سلع ( 5 ) . حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم . منيعها بعرض اهتضام . وملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب . وسليمها منكوب ، وجارها محروب . مع أن وراء ذلك سكرات الموت ، وهول المطَّلع ،
--> ( 1 ) سورة الكهف / 45 . ( 2 ) في روايات أخرى : لم تطلَّه . وطلَّه السحاب يطلَّه إذا أمطره مطرا قليلا . وربما كانت « غيثة » مصحفة عن « غبية » ، والغبية بفتح الغين هي المطرة غير الكثيرة . وفي رواية : ديمة ، بكسر الدال . ( هامش الطبعة الأميرية 1 / 224 . واللسان 11 / 405 و 15 / 115 وجمهرة خطب العرب 2 / 455 ) . ( 3 ) في روايات أخرى : وأولى . ( هامش الطبعة الأميرية 1 / 224 وجمهرة خطب العرب 2 / 455 ) . ( 4 ) الأسباب : المنازل ، وقيل المودّة . قال الشاعر : وتقطَّعت أسبابها ورمامها واللفظ فيه الوجهان . ورمام بالية . ( اللسان 1 / 458 و 12 / 252 ) . ( 5 ) السّلع شجر مرّ أو ضرب من الصبر أو بقلة خبيثة الطعم . وفي رواية أخرى : وقطاعها سلع . ( القاموس 3 / 41 وجمهرة خطب العرب 2 / 456 ) .