أحمد بن علي القلقشندي
270
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والوقوف بين يدي الحكم العدل * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) * ( 1 ) . ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول منكم أعمارا ، وأوضح منكم آثارا ، وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا ، وأشدّ عتودا . تعبّدوا للدنيا أيّ تعبّد ، وآثروها أيّ إيثار ، وظعنوا عنها بالكره والصّغار . فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية ، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب بل أرهقتهم بالقوادح ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعقرتهم بالفجائع . وقد رأيتم تنكَّرها لمن رادها وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق إلى الأبد إلى آخر الأمد . هل زوّدتهم إلا السّغب ؟ وأحلَّتهم إلا الضنك ، أو نوّرت لهم إلا الظَّلمة ، أو أعقبتهم إلا الندامة ؟ أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون أم إليها تطمئنّون ؟ يقول اللَّه جل ذكره * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ) * ( 2 ) بئست الدار لمن أقام فيها ! فاعلموا إذ أنتم تعلمون أنكم تاركوها الأبد ، فإنما هي كما وصفها اللَّه تعالى باللعب واللهو ، وقد قال تعالى : * ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) * ( 3 ) . إلى غير ذلك من خطب خلفاء الدولتين وأمرائهم مما يطول القول بإيراده ، ويخرج الكتاب بذكره عن حدّه . المقصد الثاني في كيفية تصرّف الكاتب في الخطب قد تقدّم في أوّل المقصد الأوّل من هذا النوع قول أبي هلال العسكري : إن الرسائل والخطب متشاكلتان في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا
--> ( 1 ) سورة النجم / 31 . ( 2 ) سورة هود / 15 . ( 3 ) سورة الشعراء / 128 ، 129 ، 130 .