أحمد بن علي القلقشندي
222
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في هذا الزمان ريحه ، وخبت مصابيحه ، وناداهم الأدب سواكم أعني : و « ربّ كلمة تقول دعني » . وما بعض الإقامة في ديار يهان بها الفتى إلا بلاء فعند ذلك أزمع هذا العلم الترحل ، وآذن بالتحوّل . وإذا الكريم رأى الخمول نزيله في منزل فالرّأي أن يتحوّلا وفزع إلى مصر فألقى بها عصا التّسيار ، وأنشد من نادى من تلك الديار . أقمت بأرض مصر فلا ورائي تخبّ بي الرّكاب ولا أمامي « ولقد أحسن رحمه اللَّه في بيان السبب ، والتعويل في انجبال أهل مصر على هذا العلم على علاقة الصّهر والنسب حيث قال في أوائل خطبته في أثناء الصلاة على النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه ما خفقت للبلاغة راية مجد في بني غالب بن فهر ، وتعلَّقت بأزمة الفصاحة أهل مصر : لما لهم من نسب وصهر » . قال الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي ( 1 ) رحمه اللَّه في كتابه « حسن التوسل إلى صناعة الترسل » : وهذه العلوم وان لم يضطرّ إليها ذو الذّهن الثاقب ، والطبع السليم ، والقريحة المطاوعة والفكرة المنقّحة ، والبديهة المجيبة ، والروية المتصرّفة ، لكن العالم بها متمكَّن من أزمّة المعاني ، وصناعة الكلام ، يقول عن علم ، ويتصرف عن معرفة ، وينتقد بحجة ، ويتخير بدليل ، ويستحسن ببرهان ، ويصوغ الكلام بترتيب » . وحقيق ما قاله . فإن الأديب والكاتب العاريين عن هذه العلوم قاصران ، عن أدنى رتب الكمال يحيدان ، ولا يدريان كيف يجيبان ؛ فلو سئل كل منهما
--> ( 1 ) سبق التعريف به في هامش الصفحة 84 من هذا الجزء .