أحمد بن علي القلقشندي
223
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
عن علة معنى استحسنه أو لفظ استحلاه أو تركيب استجاده ، لم يقدر على الإتيان بدليل على ذلك . وقد حكى الإمام عبد القادر الجرجانيّ ( 1 ) قال : « ركب الكنديّ ( 2 ) المتفلسف إلى أبي العبّاس وقال له : إني أجد في كلام العرب حشوا - فقال له أبو العباس في أي موضع ؟ - قال : وجدت العرب تقول عبد اللَّه قائم ثم يقولون إن عبد اللَّه قائم ثم يقولون إن عبد اللَّه لقائم فالألفاظ متكررة والمعنى واحد - فقال له أبو العباس : لا ، بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ ، فقولهم عبد اللَّه قائم إخبار عن قيامه ، وقولهم إن عبد اللَّه قائم جواب عن سؤال سائل ، وقولهم إن عبد اللَّه لقائم جواب على إنكار منكر قيامه ، فما أحار المتفلسف جوابا . فإذا ذهب مثل هذا على الكنديّ فما الظنّ بغيره ؟ وإن كان من محاسن الكلام ما لا يحكم في امتزاجه بالقلوب غير الذوق الصحيح كما قال الشاعر : شيء به فتن الورى غير الذي يدعى الجمال ولست أدري ما هو لكن الغالب في الكلام أن يعلم سبب تحسينه ، وتعليل موادّ تمكينه ويجاب عن العلة في انحطاطه وارتفاعه ، ويذكر المعنى في ارتقائه من حضيض القول إلى يفاعه ( 3 ) . قلت : وهذا العلم وإن شحن أئمة ( 4 ) الكتّاب - كما قال أبو هلال العسكري في كتابه « الصناعتين » والوزير ضياء الدين بن الأثير في « المثل
--> ( 1 ) هو نفسه عبد القاهر الجرجاني ، واضع أصول البلاغة . له : « أسرار البلاغة » و « دلائل الإعجاز » وإعجاز القرآن توفي سنة 471 ه . ( الموسوعة العربية الميسرة 621 والأعلام 4 / 48 ) . ( 2 ) هو يعقوب بن إسحاق بن الصبّاح : فيلسوف العرب والإسلام في عصره وأحد أبناء الملوك من كندة . توفي سنة 260 ه . ( الأعلام 8 / 195 ) . ( 3 ) اليفاع هو كل شيء مرتفع وسام ( اللسان 8 / 414 ) . ( 4 ) لعله : وإن شحن به أئمة الكتاب كتبهم .