أحمد بن علي القلقشندي

221

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عيديّة ولا بلحاق لاحق وانسكاب سكاب ( 1 ) ؛ فلذلك صرفوا هممهم إلى العلوم التي هي نتيجة أو مادّة لعلم البيان ، كاللغة والنحو والفقه والحديث وتفسير القرآن » : ثم قال : « وأما أهل بلاد الشرق الذين لهم اليد الطَّولى في العلوم ، ولا سيّما العلوم العقليّة والمنطق ، فاستوفوا هممهم الشامخة في تحصيله ، واستولوا بجدّهم على جملته وتفصيله . ووردوا مناهل هذا العلم فصدروا عنها بملء سجلهم ( 2 ) ، وكيف لا وقد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم . فلذلك عمروا منه كل دارس ، وعبروا من حصونه المشيدة ما رقد عنها الحارس . وبلغوا عنان السماء في طلبه ، و « لو كان الدّين في الثريّا لناله رجال من فارس » . إلى أن خرج عنهم المفتاح ، فكأن الباب أغلق دونهم ، وظهر من مشكاة بلاد الغرب المصباح ، فكأنما حيل بينه وبينهم . وأدارت المنون على قطبهم الدوائر ، فتعطَّلت بوفاته من علومه أفواه المحابر وبطون الدّفاتر . وانقطعت زهراتهم الطيّبة عن المقتطف ، وتسلَّط على العضد لسان من يعرف « كيف تؤكل الكتف » . فلم نظفر بعد هؤلاء الأئمة رحمهم اللَّه من أهل تلك البلاد بمن مخض هذا العلم فألقى للطالب زبدته ، ومحض النّصح فنشر على أعطاف العاري بردته ، ولا حملت قبول القبول ( 3 ) إلينا عنهم بطاقة ، ولا حصلت للمتطلَّعين لهذا العلم على تلك الأبواب طاقة ، ولا رأينا بعد أن انطمست تلك الشموس المشرقة ، واندرست طبقة تحرّي الفرقة ، ولم يبق إلا رسوم هي من فضائلهم مسترقة . من أطلع غصن قلمه من روض الأذهان زهرة على ورقة ، ولا من علَّق شنّه بطبقتهم ( 4 ) فيقال وافق شنّ طبقة ، بل ركدت بينهم

--> ( 1 ) لاحق وسكاب : فرسان للعرب مشهوران . والعيدّية هي النوق النجائب ، منسوبة إلى بني العيد ، حي من العرب ( اللسان 3 / 322 ؛ 1 / 470 ؛ 10 / 328 ) . ( 2 ) السّجل هي الدلو الضخمة المملوءة ماء ( اللسان 11 / 325 ) . ( 3 ) ريح القبول هي الصبا ، لأنها تستقبل الدبور وتستقبل باب الكعبة . ( اللسان 11 / 545 ) . ( 4 ) الشنّ هو القدر ، والطبقة الغطاء . وشنّ رجل من دهاة العرب ، وطبقة امرأة من جنسه ، زوجت منه . ( انظر اللسان 10 / 214 ومادتي ش ن ن - ط ب ق ) .