أحمد بن علي القلقشندي
196
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الصنف الثالث - الفصيح من اللغة . واعلم أن اللغة العربية قد تنوعت واختلفت بحسب تنوع العرب واختلاف ألسنتهم ؛ والذي اعتمده حذّاق اللغة وجهابذة العربية من ذلك ما نطق به فصحاء العرب ، وهم الذين حلَّوا أوساط بلاد العرب ، ولم يخالطهم من سواهم من الأمم كثير مخالطة ، ولم يصاقبوا بلاد العجم فبقيت ألفاظهم سالمة من التغيير والاختلاط بلغة غيرهم : كقريش ، وهذيل وكنانة ، وبعض تميم ، وقيس عيلان ، ونحوهم من عرب الحجاز ، وأوساط نجد . بخلاف الذين حلَّوا في أطراف بلاد العرب ، وجاوروا الأعاجم فتغيّرت ألفاظهم بمخالطتهم : كحمير ، وهمدان ، وخولان ، والأزد : لمجاورتهم بلاد الحبشة ، وطيّء وغسّان : لمجاورتهم بلاد الرّوم بالشام ، وبعض تميم ، وعبد القيس : لمجاورتهم أهل الجزيرة وفارس . واعلم أن التغيير يدخل في لغة العرب من عدّة وجوه : منها أن تبدل كلمة بغيرها : كما يستعمل أهل اللغة الحميريّة « ثب » بمعنى اجلس ، وهي في عامّة لغة العرب للأمر بالطَّفرة . قال القاضي الرشيد ( 1 ) في شرح « أمنيّة الألمعي » ( 2 ) : « وربما غلبت العجمة على أحدهم حتّى لا يفهم عنه شيء » . ومنها أن تبدل حرفا من الكلمة بحرف آخر : كما تبدل حمير كاف الخطاب شينا معجمة فيقولون في قلت لك قلت لش ؛ وربما أبدلوا التاء أيضا كافا فيقولون في قلت قلك ، وكما تبدل ربيعة الباء الموحدة ميما فيقولون في بكر مكر ونحو ذلك ، وكما يبدل بعض العرب الصاد المهملة بالسين المهملة
--> ( 1 ) هو ذو النون بن محمد ، الشافعي مذهبا ، العلوي نسبا ، الملقب رشيد الدين : فاضل من الولاة الوزراء . أنشأ المدرسة الرشيدية بتعز حيث توفي سنة 663 ه . ( الأعلام 3 / 8 ) . ( 2 ) « أمنية الألمعي ومنية المدعي » للقاضي أبي الحسين أحمد بن علي بن الزبير الأسواني المتوفى سنة 563 ه . وهي المقامة الحصيبية رمى بها غرض الفكاهة وأملاها بلسان الدعابة ( كشف الظنون : 1 / 169 ) .