أحمد بن علي القلقشندي

102

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الفصل الثاني في آداب الكتّاب ، وهي على نوعين النوع الأول حسن السيرة وشرف المذهب ؛ ولذلك شروط ولوازم منها اعتماد تقوى اللَّه تعالى في الإسرار والإعلان ، والإظهار والإبطان ، والمحافظة عليها ، والاستناد إليها في مبادي الأمور وعواقبها . فإنها العروة التي لا تنفصم ، والحبل الذي لا ينصرم ، والركن الذي لا ينهدم ، والطريق التي من سلكها اهتدى ، ومن حاد عنها ضلّ وترّدى ؛ والمحافظة على شرائع الدين التي فرضها اللَّه تعالى على خلقه والحذر من الاستخفاف فيها بحقه ، وتوقّي غضبه بتأديتها ، والاستجنان ( 1 ) من شقاء الدنيا والآخرة بتوقّيها . ومنها طلب الأجر ( 2 ) بما ينيله من عز سلطانه ويجديه من فواضل نعمائه ، وهذا هو أصح الأغراض التي يجب على كل عاقل أن يقدّمه على كل غرض ، ويحصل منه على السهم الوافر ؛ فلا خير في دنيا تنقطع السعادة عنها ، وإنما السعادة بعد الموت * ( والدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ ) * ( 3 ) ، ومن اختار الفاني المنصرم على الباقي الدائم ، فقد خسرت صفقته ، وبارت تجارته . والطريق الموصّل إلى هذا المقصد صلاح النيّة فيما يتولاه من أمور السلطان ، وقصد النفع العامّ له ولرعيته ، والاجتهاد في إغاثة الملهوف ، والأخذ بيد الضعيف ، والنفع بجاهه عند سلطانه ، وحمله على العدل في الرعيّة ، فإذا توخّى ذلك فاز بثواب اللَّه تعالى ، وقضى حقّ السلطان فيما عرضه له من الشكر والأجر ، وقابل نعمة اللَّه التي أقدره بها على هذه الأفعال الجميلة

--> ( 1 ) أي الاستتار . واستجنّ استتر . ( البستان 1 / 417 ) . ( 2 ) أي الثواب . ولعله مصحف عن : « الآخرة » كما يدل عليه السياق فيما سيأتي . ( 3 ) سورة الأعراف / 169 .