أحمد بن علي القلقشندي
103
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بما يرتبطها عنده ويستقرّ بها لديه . ومنها : مجانبة الرّيب والتنزه عنها ، والطهارة منها . فإنها تسخط اللَّه تعالى ، وتذهب بمهابة المرء ، وتسقطه من العيون والقلوب . وأحقّ من راعى ذلك من نفسه من بين أتباع السلطان أهل هذه الصناعة لاختصاصهم به ، ولطف منزلتهم عنده . إذ المشهور عند نقلة الآثار أن الذين تقدّموا من صدورها ومشايخها كانوا من جلَّة العلماء ، وسادة الفقهاء ، وأفاضل أهل الورع ، المبرئين من الدّنس والطمع ، المميزين على القضاة والحكَّام ، في الاستقلال بعلوم الإسلام ، المتميزين عنهم بفضل الآداب ، ورواية الأشعار ، والعلم بالأيام والسير ، والارتياض ( 1 ) بآداب الملوك وعشرتهم ورسوم صحبتهم ، وغير ذلك مما ينتظم في صناعتهم . فقد ساووهم في علم الدّين ، وفاقوهم فيما تقدّم ذكره مما لا يشاركونهم فيه . والسلطان والدّين قرينان لا يفترقان ، وعونان على صلاح البلاد والعباد ، فلا يحتمل السلطان ما ينكره الدّين لأنه تابعه ورديفه . ومنها : لزوم العفاف والصّيانة فيما يتولاه للسلطان من أعماله ، ويتصرف فيه من أشغاله ، والتعفف عن المطامع الذميمة ، والمطاعم ( 2 ) الوخيمة ، والترفّع عن المكاسب اللئيمة ؛ فإن ذلك يجمع القربة إلى اللَّه تعالى والحظوة عند السلطان ، وجميل السيرة عند الرعية - حتى إن هذه الطريقة قد تقدّم بها عند السلطان المتخلفون في الفهم والمعرفة ، وسادوا على من لا يقاربونه في غناء ولا كفاية ، وحصلوا على الأحوال السنية ، والمنازل العلية ؛ وقرب بها من كان بعيدا على من كان قريبا ، ومن لا مكانة له ولا حرمة على من له مكانة وحرمة ، واستبدني لأجلها من لا يترشح لخدمة السلطان . ثم الذي يلزمه أن يعتمد التمسك بالصيانة والعفاف الذي عليه نظام معيشته ، والارتفاق فيما يحل
--> ( 1 ) أن تطيب النفس بآدابهم ( القاموس 1 / 345 ) . ( 2 ) الطَّعمة والطَّعمة ، بالضم والكسر هي وجه المكسب . ( اللسان 12 / 365 ) .