الآلوسي

107

تفسير الآلوسي

وقرأ الحسن وزيد بن علي . وعيسى الثقفي . وسعيد بن جبير . والسدي * ( أطهر ) * بالنصب ، وقد خفي وجهه حتى قال عمرو بن العلاء : إن من قرأ * ( أطهر ) * بالنصب فقد تربع في لحنه وذلك لأن انتصابه على أن يجعل حالاً عمل فيها ما في * ( هؤلاء ) * من الإشارة أو التنبيه أو ينصب * ( هؤلاء ) * بفعل مضمر كؤنه قيل : خذوا هؤلاء و * ( بناتي ) * بدل ، ويعمل هذا المضمر في الحال و * ( هن ) * في الصورتين فصل وهذا لا يجوز لأن الفصل إنما يكون بين المسند والمسند إليه ، ولا يكون بين الحال وذيها كذا قيل ، وهذا المنع هو المروى عن سيبويه وخالف في ذلك الأخفش فأجاز توسط الفصل بين الحال وصاحبها فيقول : جاء زيد هو ضاحكاً ، وجعل من ذلك هذه الآية على هذه القراءة ، وقيل : بوقوعه شذوذاً كما في قولهم : أكثر أكلي التفاحة هي نضيجة ، ومن منع ذلك خرج هذا على إضمار كان ، والآية الكريمة على أن * ( هن ) * مبتدأ و * ( لكم ) * الخبر ، و * ( أطهر ) * حال من الضمير في الخبر ، واعترض بأن فيه تقديم الحال على عاملها الظرفي ، والأكثرون على منعه أو على أن يكون * ( هؤلاء ) * مبتدأ و * ( بناتي هن ) * جملة في موضع خبر المبتدأ كقولك : هذا أخي هو ، ويكون * ( أطهر ) * حالاً وروي هذا عن المبرد . وابن جني ، أو على أن يكون * ( هؤلاء ) * مبدأ و * ( بناتي ) * بدلاً منه أو عطف بيان و * ( هن ) * خبر و * ( أطهر ) * على حاله . وتعقب بأنه ليس فيه معنى طائل ، ودفع بأن المقصود بالإفادة الحال كما في قولك : هذا أبوك عطوفاً ، وادعى في " الكشف " أن الأوجه أن يقدروا خذوا هؤلاء أطهر لكم ، وقوله : * ( بناتي هن ) * جملة معترضة تعليلاً للأمر وكونهن أولى قدمت للاهتمام كأنه قيل خذوا هؤلاء العفائف أطهر لكم إن بناتي هن وأنتم تعلمون طهارتي وطهارة بناتي ؛ ويجوز أن يقال * ( هن ) * تأكيد للمستكن في * ( بناتي ) * لأنه وصف مشتق لا سيما على المذهب الكوفي فافهم ولا تغفل * ( فاتَّقُواْ اللَّهَ ) * بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم * ( وَلاَ تُخْزُون في ضَيْفي ) * أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاء له ، أو لا تخجلوني فيهم ، والمصدر على الأول الخزي وعلى الثاني الخزاية ، وأصل معنى خزي لحقه انكسار إما من نفسه وهو الحياء المفرط ، وإما من غيره وهو الاستخفاف والتفضيح ، والضيف في الأصل مصدر ، ولذا إذا وصف به المثنى أو المجموع لم يطابق على المشهور ، وسمع فيه ضيوف ، وأضياف ، وضيفان ، * ( ولا ) * ناهية ، والفعل مجزوم بحذف النون ، والموجودة نون الوقاية ، والياء محذوفة اكتفاءاً بالكسرة ، وقرئ بإثباتها على الأصل * ( أَلَيْسَ منكُمْ رَجُلٌ رَّشيدٌ ) * يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبيح ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال : يأمر بمعروف أو ينهي عن منكر ، وهو إما بمعنى ذو رشد أو بمعنى مرشد كالحكيم بمعنى المحكم ، والاستفهام للتعجب ، وحمله على الحقيقة لا يناسب المقام . * ( قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ) * * ( قَالُواْ ) * معرضين عما نصحهم به من الأمر بالتقوى والنهي عن الإخزاء عن أول كلامه * ( لَقَدْ عَلمْتَ مَا لَنَا في بَنَاتكَ منْ حَقّ ) * أي حق وهو واحد الحقوق ، وعنوا به قضاء الشهوة أي ما لنا حاجة في بناتك ، وقد يفسر بما يخالف الباطل أي ما لنا في بناتك نكاح حق لأنك لا ترى جواز نكاحنا للمسلمات ، وما هو إلا عرض سابري كذا قيل ، وهو ظاهر في أنه كان من شريعته عليه السلام عدم حل نكاح الكافر المسلمة . وقيل : إنما نفوا أن يكون لهم حق في بناته لأنهم كانوا قد خطبوهن فردهم وكان من سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبداً ، وقييل : إنهم لما اتخذوا إتيان الذكور مذهباً كان عندهم هو الحق وأن نكاح الإناث من الباطل فقالوا ما قالوا ، وقيل : قالوا ذلك لأن عادتهم كانت أن لا يتزوج الرجل منهم إلا واحدة وكانوا