عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

135

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

إلى القاهرة فلم ينفك عن الاشتغال والإشغال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العشرة والأدب والعفة والانجماع عن أبناء الدنيا مع التقلل وشرف النفس ومزيد العقل وسعة الباطن والاحتمال والمداراة وأذن له غير واحد من شيوخه في الافتاء والإقراء منهم شيخ الإسلام ابن حجر وتصدى للتدريس في حياة شيوخه وانتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة وشرح عدة كتب وألف ما لا يحصى كثرة فلا نطيل بذكرها إذ هي أشهر من الشمس وقصد بالفتاوى وزاحم كثيرا من شيوخه فيها ورويته أحسن من بديهته وكتابته أمتن من عبارته وعدم مسارعته إلى الفتاوى يعد من حسناته وله الباع الطويل في كل فن خصوصا التصوف وولي تدريس عدة مدارس إلى أن رقي إلى منصب قضاء القضاة بعد امتناع كثير وذلك في رجب سنة ست وثمانين واستمر قاضيا مدة ولاية الأشرف قايتباي ثم بعد ذلك إلى أن كف بصره فعزل بالعمى ولم يزل ملازم التدريس والافتاء والتصنيف وانتفع به خلائق لا يحصون منهم ابن حجر الهيتمي وقال في معجم مشايخه وقدمت شيخنا زكريا لأنه أجل من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والأئمة الوارثين وأعلى من عنه رويت ودريت من الفقهاء الحكماء المهندسين فهو عمدة العلماء الأعلام وحجة الله على الأنام حامل لواء المذهب الشافعي على كاهله ومحرر مشكلاته وكاشف عويصاته في بكره وأصائله ملحق الأحفاد بالأجداد المتفرد في زمنه بعلو الإسناد كيف ولم يوجد في عصره إلا من أخذ عنه مشافهة أو بواسطة أو بوسائط متعددة بل وقع لبعضهم أنه أخذ عنه مشافهة تارة وعن غيره ممن بينه وبينه نحو سبع وسائط تارة أخرى وهذا لا نظير له في أحد من أهل عصره فنعم هذا التمييز الذي هو عند الأئمة أولى به وأحرى لأنه حاز به سعة التلامذة والأتباع وكثرة الآخذين عنه ودوام الانتفاع انتهى وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة رابع ذي الحجة بالقاهرة ودفن بالقرافة