عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
183
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
وفيها عبد المؤمن الكومي التلمساني صاحب المغرب والأندلس كان أبوه صانعا في الفخار فصار أمره إلى ما صار وكان أبيض مليحا ذا جسم عمم تعلوه حمرة أسود الشعر معتدل القامة وضيئا جهوري الصوت فصيحا عذب المنطق لا يراه أحد إلا أحبه بديهة وكان في الآخر شيخا أنقى وقد سبق شيء من أخباره في ترجمة ابن تومرت وكان ملكا عادلا سايسا عظيم الهيبة عالي الهمة كثير المحاسن متين الديانة قليل المثل وكان يقرأ كل يوم سبعا من القرآن العظيم ويجتنب لبس الحرير ويصوم الاثنين والخميس ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق له وكان سفاكا لدماء من خالفه سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهم فقالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا فلم ينكر ذلك عليهم فكتب بعض الزهاد هذين البيتين ووضعهما تحت سجادته وهما : يا ذا الذي قهر الأنام بسيفه * ماذا يضرك أن تكون إلها الفظ بها فيما لفظت فإنه * لم يبق شيء أن تقول سواها فلما رآها وجم وعظم أمرهما وعلم أن ذلك بكونه لم ينكر على أصحابه قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا فكان عبد المؤمن يتزيا بزي لعامة ليقف على الحقائق فوقعت عيناه على شيخ عليه سيما الخير فتفرس فيه أنه قائل البيتين فقال له أصدقني أنت قائل البيتين قال أنا هو قال لم فعلت ذلك قال قصدت إصلاح دينك فدفع إليه ألف دينار فلم يقبلها ومن شعره وقد كثر الثوار عليه : لا تحفلن بما قالوا وما فعلوا * أن كنت تسمو إلى العليا من الرتب وجرد السيف فيما أنت طالبه * فما تردد صدور الخيل بالكتب ومات عازيا بمدينة سلا في جمادي الآخرة رحمه الله تعالى وفيها أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن عمار بن أحمد بن علي بن عبدوس الحراني الفقيه الحنبلي الزاهد العارف الواعظ ولد سنة عشر أو إحدى عشرة وخمسمائة