عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

156

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

وفي أخر الأمر التجأ الخبيث إلى جبل ثم تراجع هو وأصحابه إلى مدينتهم فحاربهم المسلمون فانهزم الخبيث وتبعهم أصحاب الموفق يأسرون ويقتلون ثم استقبل هو وفرسانه وحملوا على الناس فاز الوهم فجمل عليه الموفق والتحم القتال فإذا بفارس قد أقبل ورأس الخبيث في يده فلم يصدقه فعرفه جماعة من الناس فحينئذ ترجل الموفق وابنه المعتضد والأمراء فخروا سجدا لله وكبروا وسار الموفق فدخل بالرأس بغداد وعملت القباب وكان يوما مشهودا وآمن الناس وشرعوا يتراجعون إلى الأمصار التي أخذها الخبيث وكانت أيامه خمس عشرة سنة قال الصولي قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف قال وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف وكان يصعد على المنبر فيسب عثمان وعليا ومعاوية وعائشة وهو اعتقاد الأزارقة وكان ينادي في عسكره على العلوية بدرهمين وثلاثة وكان عند الواحد من الزنج العشر من العلويات يفترشهن وكان الخبيث خارجيا يقول لا حكم إلا الله وقيل كان زنديقا يتستر بمذهب الخوارج وهو أشبه فإن الموفق كتب إليه وهو يحاربه في سنة سبع وستين يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله مما فعل من سفك الدماء وسبى الحريم وانتحال النبوة والوحي فما زاده الكتاب إلا تجبرا وطغيانا ويقال أنه قتل الرسول فنازل الموفق مدينته المختارة فتأملها فإذا مدينة حصينة محكمة الأسوار عميقة الخنادق فرأى شيئا مهولا ورأى من كثرة المقاتلة ما أذهله ثم رموه رمية واحدة بالمجانيق والمقاليع والنشاب وضجوا ضجة ارتجت منها الأرض فعمد الموفق إلى مكاتبة قواد الخبيث واستمالهم فاستجاب له عدد منهم فأحسن إليهم وقيل كان الخبيث منجما يكتب الحروز وأول شيء كان بواسط فحبسه محمد بن أبي عون ثم أطلقه فلم يلبث أن خرج بالبصرة واستغوى السودان والزبالين والعبيد فصار أمره إلى ما صار ذكر جميع ذلك في العبر