ابن قتيبة الدينوري
662
الشعر والشعراء
امرأة من فهم وكان لها ابن من هذيل ، وكان يدخل عليها رحلا ( 1 ) ، فلمّا قارب الغلام الحلم قال لها : من هذا الرجل الداخل عليك ؟ قالت : صاحب كان لأبيك ! قال : واللَّه لئن رأيته عندك لأقتلنّك ، فلمّا رجع إليها تأبط شرّا أخبرته الخبر ، وقالت : إنّ هذا الغلام مفرّق بيني وبينك ، فاقتله ! قال : سأفعل ذلك ، فمرّ به وهو يلعب مع الصبيان ، فقال له : هلمّ أهب لك نبلا ، فمضى معه ، فتذمّم من قتله ، ووهب له نبلا ، فلمّا رجع تأبّط شرا أخبرها ، فقالت : إنه ( واللَّه ) شيطان ( من الشياطين » ، واللَّه ما رأيته قطَّ مستثقلا نوما ، ولا ممتلئا ضحكا ، ولا همّ بشئ منذ كان صغيرا إلا فعله ، ولقد حملته فما رأيت عليه دما حتّى وضعته ، ولقد وقع علىّ أبوه وإنّى لمتوسّدة سرجا في ليلة هرب ، وإنّ نطاقى لمشدود ، وإنّ على أبيه لدرعا ؛ فاقتله ، فأنت واللَّه أحبّ إلَّى منه ، فقال لها : سأغزو به فأقتله ، ( فمرّ ) ، فقال له : هل لك في الغزو ؟ قال : نعم ، فخرج معه غازيا ، فلم يجد له غرّة ، حتّى مرّ في بعض الليالي بنار لابني قترة الفزاريّين ، وكانا في نجعة ( 2 ) فلمّا رأى تأبّط النار عرف أهلها ، فأكبّ على رجله وصاح : نهشت نهشت ! النار ! النار ! فخرج الغلام يهوى نحو النار ، فصادف عندها الرجلين ، فواثباه ، فقتلهما جميعا ، ثم أخذ جذوة من النار ، واطَّرد إبل القوم وأقبل نحوه ، فلمّا رأى ( تأبّط ) النار ( تهوى نحوه ) ظنّ أن الغلام قد قتل ، وأنّ القوم اتّبعوا أثره ، فمضى ، يسعى ، قال : فما نشبت أن أدركني ومعه جذوة من النار ، وهو يطَّرد إبل القوم ، فقال : ويلك ! قد أتعبتنى منذ الليلة ، ثم رمى بالرأسين ! فقلت : ما هذا ؟ قال : كلبان هارّانى على النار فقتلتهما ( 3 ) !
--> ( 1 ) رحلا : كناية عن المعاشرة ، جعلها رحله ومنزله . ( 2 ) النجعة ، بضم العين : المذهب في طلب الكلإ في موضعه . ( 3 ) هارانى : يريد نازعانى ومانعانى ، من « الهرير » وهو نباح الكلب أو الذئب وكشره عن أنيابه .