ابن قتيبة الدينوري

503

الشعر والشعراء

عرفته وأنكرها ، فقالت لقائد قطارها ( 1 ) : إذا دنا منك الراكب فاحبس ، فلمّا دنا كثيّر حبس القائد القطار ، فابتدرته عزّة فقالت : من الرجل ؟ قال : من الناس ، قالت : أقسمت ، قال : كثيّر ، قالت : فأين تريد في هذه المفازة ؟ قال : ذكرت عزّة ( وأنا ) بمصر فلم أصبر أن خرجت نحوها على الحال التي ترين ، قالت : فلو أنّ عزّة لقيتك فأمرتك بالبكاء أكنت تبكى ؟ قال : نعم ، فنزعت عزّة اللثام ( عن وجهها ) وقالت : أنا عزّة ، فإنّ كنت صادقا فافعل ما قلت ، فأفحم ، فقالت للقائد : قد قطارك ، فقاده ، وبقى كثيّر مكانه لا يحير ولا ينطق حتّى توارت ، فلمّا فقدها سالت دموعه وأنشأ يقول ( 2 ) : وقضّين ما قضّين ثم تركننى * بفيفا خريم قائما أتلدّد ( 3 ) تأطَّرن حتّى قلت لسن بوارحا * وذبن كما ذاب السّديف المسرهد ( 4 ) ( أقول لماء العين : أمعن ، لعلَّه * لما لا يرى من غائب الوجد يشهد ) فلم أر مثل العين ضنّت بمائها * علىّ ولا مثلي على الدّمع يحسد وبين التّراقى واللَّهاة حرارة * مكان الشّجى ما إن تبوح فتبرد وعادت عزّة إلى مصر ، وخرج كثيّر يريد مصر ، فوافاها والناس ينصرفون عن جنازتها .

--> ( 1 ) القطار : أن تقطر الإبل بعضها إلى بعض على نسق ، واحدا خلف واحد ، وهو بكسر القاف ، وهو « فعال » بمعنى المفعول ، كالبساط والكتاب ، بمعنى المبسوط والمكتوب . وضبط في ل بضم القاف ، وهو خطأ لا وجه له . ( 2 ) الأبيات : الأول والخامس والرابع في البلدان 6 : 413 . ( 3 ) أتلدد : أتلفت يمينا وشمالا وأتحير متبلدا . ( 4 ) تأطرن : أقمن ولزمن مكانهن . السديف : السنام المقطع ، أو شحمه . المسرهد : السمين ، وأصل « المسرهد » المنعم المغذى . والبيت في اللسان 5 : 83 ونسبه لعمر ابن أبي ربيعة ، وليس في ديوانه ، ولكن ذكره ناشره في الشعر المنسوب إليه مما ليس في الديوان 232 نقلا عن اللسان وشرح القاموس .