ابن قتيبة الدينوري
431
الشعر والشعراء
وقمت إلى سقاء لبن ، فصببت له في قدح وشننت عليه ماء باردا ، وناولته فشرب فتراجع ، فقلت : لقد جهدت فما أمرك ؟ قال : أردت مصر فجئت أودّعكم وأسلَّم عليكم ، وأنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ، أنتظر أن أجد فرجة حتّى رأيت منحدر فتيانكم العشيّة ، فجئت لأحدث بكم عهدا ، فحدّثنا ساعة ثم ودّعنا وانطلق ، فلم نلبث إلَّا يسيرا حتّى أتانا نعيّه من مصر ، قال ابن عيّاش : فظننت قوله : فمن كان في حبّى بثينة يمترى * فبرقاء ذي ضال علىّ شهيد ( 1 ) أنّه أراد هذه الهضبة التي أقام فيها أيّاما ما أكل وما شرب . 745 * وقال سهل بن سعد السّاعدىّ أو ابنه عبّاس ( 2 ) : لقيني رجل من أصحابي ، فقال : هل لك في جميل فإنّه ثقيل ؟ فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه ( 3 ) ، وما يخيّل لي أنّ الموت يكرثه ( 4 ) ، فقال : ما تقول في رجل لم يزن قطَّ ، ولم يشرب خمرا قطَّ ، ولم يقتل نفسا حراما قطَّ ، يشهد أن لا إله إلا الله ؟ فقلت : أظنّه والله قد نجا ، فمن هذا الرجل ؟ قال : أنا ، قلت : والله ما سلمت وأنت منذ عشرون سنة ( 5 ) تنسب ببثينة ! قال : إني لفى آخر يوم من
--> ( 1 ) البيت في البلدان 2 : 130 وسيأتي مع أبيات 267 - 268 ل . ( 2 ) سهل بن سعد الساعدي : صحابي مشهور ، مات سنة 91 ه أو بعدها عن نحو 100 سنة . وابنه عباس تابعي أدرك زمن عثمان ، ومات نحو 120 ه زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك . ( 3 ) يكيد بنفسه : يجود بها في حال النزع والموت . ( 4 ) يكرثه : بضم الراء وكسرها : يشتد عليه ويبلغ منه المشقة ، ثلاثي ، ويأتي رباعيا أيضا . ( 5 ) ه « منذ عشرين سنة » . ويجوز في « منذ » أن يليها الاسم مرفوعا ، فتكون مبتدأ وما بعدها خبرا . انظر اللسان والمغنى وغيرهما .