ابن قتيبة الدينوري

165

الشعر والشعراء

وكان للنعمان نديم يقال له المنخّل اليشكرىّ ( 1 ) ، يتّهم بالمتجرّدة ، ويظنّ بولد النعمان منها أنّهم منه ، وكان المنخّل جميلا ، وكان النعمان قصيرا دميما أبرش ، فلما سمع المنخّل هذا الشعر قال للنعمان : ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلَّا من قد جرّب ! فوقر ذلك في نفسه ، وبلغ النابغة ذلك ، فخافه فهرب إلى غسّان ، فصار فيهم . وانقطع إلى عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغسّانى ، وإلى أخيه النعمان بن الحارث ، فأقام النابغة فيهم فامتدحهم ، فغمّ ذلك النعمان ، وبلغه أن الذي قذف به عنده باطل ، فبعث إليه : إنّك صرت إلى قوم قتلوا جدى فأقمت فيهم تمدحهم ، ولو كنت صرت إلى قومك لقد كان لك فيهم ممتنع وحصن ، إن كنّا أردنا بك ما ظننت ، وسأله أن يعود إليه . فقال شعره الذي يعتذر فيه ، وقدم عليه زبّان بن سيّار ومنظور بن سيّار الفزاريّين ، وكان بينهما وبين النعمان دخلل ( 2 ) ، فضرب لهما قبّة ، ولا يشعر أن النابغة معهما ، ودسّ النابغة أبياتا من قصيدته : * يا دار ميّة بالعلياء فالسّند * وهى ( 3 ) : نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى * ولا قرار على زأر من الأسد ( 4 ) مهّلا فداء لَّك الأقوام كلَّهم * وما أثمّر من مال ومن ولد ( 5 )

--> ( 1 ) سيأتي خبره ( 238 - 239 ل ) وفيه إشارة إلى هذه القصة . وله الأصمعية 14 . ( 2 ) أصل « الدخلل » بضم الدال وسكون الخاء مع ضم اللام وفتحها : المداخل المباطن وصاحب السر ، وأراد به هنا المودة الصافية . ( 3 ) الديوان 24 ، 25 ، 26 . ( 4 ) « قابوس » لا ينصرف للعجمة والتعريف ، وضبط في ل مصروفا ، وهو لحن ويختل به الوزن . والبيت في اللسان 8 : 49 . ( 5 ) قال الوزير أبو بكر بن عاصم : « فداء : يروى بالرفع والكسر والنصب » .