ابن ميثم البحراني

28

شرح نهج البلاغة

الجديب هو الآخرة . إذ لم يكونوا قد استعدّوا لدرك السعادة فيها . ووجه تشبيههم بالقوم هو ما ذكره من أنّه ليس شيء أكره إليهم . إلى آخره : أي ليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما هم فيه من الدنيا إلى ما يهجمون عليه بغتة من الأهوال ، ويصيرون إليه من مقاساة السلاسل والأغلال كما أنّه ليس شيء أكره إلى القوم من مفارقة منزل خصيب كانوا فيه إلى منزل جديب يهجمون عليه ، وإلى هذين المثلين أشار الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله : الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر . المطلوب الثاني : الوصيّة بإصلاح معاملته مع الخلق . فأشار عليه أن يجعل نفسه ميزانا بينه وبين غيره ، ووجه استعارة لفظ الميزان له أنّه يكون ذا عدل بين نفسه وبين الناس كالميزان . ثمّ شرح وجوه العدل والتسوية الَّتي أمره أن يكون ميزانا باعتبارها فمنها أمور ثبوتيّة ، ومنها أمور سلبيّة : فالأوّل : أن يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لها ، وفي الحديث المرفوع : لا يكمل إيمان عبد حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه . وسرّ الحديث أنّ ذلك من كمال فضيلة العدالة الَّتي هي من كمال الإيمان . الثاني : أن لا يظلم كما لا يحبّ أن يظلم فيسلم من رذيلتي الظلم والانظلام . الثالث : أن يحسن إلى الغير كما يحبّ أن يحسن إليه ، والإحسان فضيلة تحت العفّة . الرابع : أن يستقبح من نفسه ما يستقبح من غيره فينزجر عن جميع مناهي اللَّه وهو من لوازم المروّة ، ولذلك قال أحنف إذ سئل عن المروّة : هي أن تستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك . الخامس : أن يرضى من الناس ما يرضاه لهم من نفسه : أي كلّ ما رضى أن يفعله بهم من خير أو شرّ إن فعله فينبغي أن يرضى بمثله منهم ، وفيه تنبيه على أنّه لا يجوز أن يفعل الشرّ لعدم لازمه وهو الرضا منهم به . السادس : أن لا يقول ما لا يعلم وإن قلّ ما يعلم ، وإنّما قال : وإن قلّ ما يعلم لأنّ تصوّر قلَّة العلم قد يكون داعية لبعض الناس إلى أن يقول بغير علم لئلَّا ينسب