ابن ميثم البحراني
17
شرح نهج البلاغة
الأمور وتقلَّبات الدهور فقال : إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي وشاهدت أحوالهم لكنّي نظرت في أعمالهم وفكَّرت في أخبارهم المأثورة وسرت في آثارهم سيرا محسوسا ومعقولا حتّى صرت كأحدهم في عيان أمورهم . وقوله : فعرفت عطف على قوله : وسرت . وقوله : ذلك . إشارة إلى ما انتهى إليه من أمورهم . وكنّى بالصفو عن الخير وبالكدر عن الشرّ : أي فعرفت خير أمورهم من شرّها ونفعها من ضرّها ، واستخلصت لك من كلّ أمر جليله وهو خيره وما ينفع منه عند اللَّه من العلوم والعبر النوافع ، وروى : نخيلته أي خلاصته . وقصدت لك جميله : أي الأمر الحسن منه دون قبيحة ، وصرفت عنك مجهوله : أي ما اشتبه عليك أمره والتبس الحقّ فيه . وقوله : ورأيت حيث عناني . إلى آخره . إشارة إلى كمال عنايته وشفّقته عليه ووجوه اختياراته له ما هو أولى به من العلوم ، وأجمعت عطف على يعنى ، وأن يكون في محلّ النصب على أنّه مفعول أوّل لرأيت ، وتكون هنا تامّة ، والواو في قوله : وأنت للحال ، وأن أبتدئك عطف على أن يكون ، والمفعول الثاني لرأيت محذوف تقديره أنفع وأصلح ، وتقدير الكلام : ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعنى الوالد الشفيق من أمر ولده من النظر في مصالحه والاهتمام بأحواله وما صمّمت عزمي عليه من تأديبك أن يكون ذلك التأديب حال إقبال عمرك حال كونك ذانيّة سليمة من الأمراض النفسانيّة والأخلاق الذميمة ، وكونك ذا نفس صافية من كدر الباطل ، وأن أبتدئك بتعليم كتاب اللَّه وتأويله وما يشتمل عليه من شرايع الإسلام : أي قوانينه وأحكامه وحلاله وحرامه ، وأقتصر بك على ذلك كما اقتصر عليه كثير من السلف . وقوله : ثمّ أشفقت .