ابن ميثم البحراني
16
شرح نهج البلاغة
بضمير صغراه قوله : وإنّما قلب الحدث . إلى قوله : قبلته . وأشار إلى وجه التشبيه بقوله : وما ألقى فيها من شيء قبلته . وذلك أنّ قلب المحدث لمّا كان خاليا من الانتقاش بالعقايد وغيرها مع كونه قابلا لما يلقى إليه من خير أو شرّ فينتقش به أشبه الأرض الخالية من النبات والزرع القابلة لما يلقى فيها من البذر ، وتقدير الكبرى : وكلّ قلب كان كذلك فيجب أن يسبق إليه ببذر الآداب وغرس الحكمة . فلذلك بادره بالأدب قبل أن يقسو قلبه عن الانقياد للحقّ والاشتغال بالأمور الباطلة . ثمّ أشار إلى العلَّة الأخرى من العلل الغائيّة لمبادرته بالأدب وهى أن يستقبل بجدّ رأيه وقوّة فكره ما قد كفاه أهل التجارب بغيته من العلوم وعوفي فيه من علاج التجربة ومعاناتها فأتاه من ذلك العلم التجربيّ ما كان أهل التجربة يأتونه ويطلبونه ، واستبان له ما ربّما أظلم عليهم منه ، وفرّق بين من يأتيه العلم صفوا ويلقى إليه بينا واضحا ، وقد كفى فيه مؤنة الاكتساب ، وبين من سعى إليه وشقى في تحصيله وخاض إليه غمرات الشكوك وظلمات الشبهات . وكلّ ذلك من الأمور المقنعة له في قبول الوصيّة والعمل بما اشتملت عليه من الحكم والآداب لأنّ أهل التجارب إذا كانوا قد جدّوا في تحصيله مع ما وجدوا فيه من المشقّة فلان يجدّ هو ويقبله خالصا من الكلفة أولى . المقصود الثاني : أشار إلى فضيلة نفسه واستكمالها بالعلوم . ثمّ إلى كونه في غاية العناية والشفقّة عليه وإلى ما رآه أصلح في تعليمه إيّاه من العلوم غير متجاوز إلى غير ذلك ، وغايته من الجميع استدراجه لقبول قوله كما علمت من غرض الخطيب في ذكر فضيلته ، وما يستدرج به للانفعال ممّا يريد أن يقنع به من الآراء وغيرها . فنبّه على فضيلته بقوله : أي بنىّ . إلى قوله : مجهولة . وقوله : وإن لم أكن في قوّة جواب اعتراض مقدّر كأنّ قائلا قال له : فكيف حصلت العلوم عن تجارب الأمور مع حاجة التجربة إلى عمر طويل يشاهد فيه الإنسان تغيّرات