ابن ميثم البحراني

81

شرح نهج البلاغة

من لم يرض ، والمخصوص بالمدح هو الدنيا ، ودارا ومحلا منصوبان على التميز يقومان مقام اسم الجنس الَّذي هو اسم نعم إذا حذف ، وهاهنا مسئلتان : إحداهما : أنّ اسم الجنس الَّذي هو اسم نعم وبئس تضاف في العادة إلى ما فيه الألف واللام كقولك : نعم صاحب القوم ، وقد أضافه هاهنا إلى ما ليس فيه الألف واللام ، وقد جاء مثله في الشعر كقوله : فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم . الثانية : أنّه جمع بين اسم الجنس والنكرة الَّتي تبدل منه ، وقد جاء مثله في قوله : فنعم الزاد زاد أبيك زادا ، وإنّما أضاف دارا إلى من لم يرض بها ، ومحلَّا إلى من لم يوطَّنها لأنّ الدنيا إنّما يكون دارا ممدوحة باعتبار كونها دار من لم يرض بها ولم يوطنّها لاستلزام عدم رضاهم بها الانتفاع بالعبر بها واتّخاذ زاد التقوى ، وأولئك هم المتّقون السعداء بها . ويحتمل أن يكون دارا ومحلَّا منصوبين على التميز عن قوله : لم يرض بها ولم يوطَّنها . وقوله : وإنّ السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم . فوجه سعادتهم بها استثمارهم للكمالات المسعدة في الآخرة منها ، ولن يحصل ذلك إلَّا بالهرب منها اليوم ، وكنّى بالهرب منها عن الإعراض الحقيقي عن لذّاتها ، والتباعد من اقتنائها ولذّاتها لاستلزام الهرب عن الشيء التباعد عنه والزهد فيه ، وظاهر أنّ التباعد منها بالقلوب إلَّا ما دعت الضرورة إليه واتّخاذها مع ذلك سببا إلى الآخرة من أسباب السعادة ومستلزماتها كما أشار إليه سيّد المرسلين صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من حاله فيها بقوله : ما أنا والدنيا إنّما مثلي فيها كمثل راكب سار في يوم صايف فرفعت له شجرة فنزل فقعد في ظلَّها ساعة ثمّ راح وتركها . ودلّ بقوله : إذا رجفت . على الوقت المذكور المدلول عليه بقوله : غدا . وهو يوم القيامة لقوله تعالى « يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ » ( 1 ) قال المفسّرون : الراجفة : هي النفخة الأولى في الصور وهى صيحة عظيمة فيها تردّد واضطراب كالرعد يصعق فيها الخلايق و « تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ » وهى النفخة الثانية تردف الأوّل . وجلائل القيامة : محنها الجليلة

--> ( 1 ) 79 - 6 .