ابن ميثم البحراني

82

شرح نهج البلاغة

العظيمة . وقوله : ولحق بكلّ منسك أهله . إشارة إلى لحقوق كلّ نفس يوم القيامة لعبودها ومطاعها وما ألفته وأحبّته من أمر دنيويّ أو أُخرويّ فأقبلت عليه وعملت له ، ونحوه أشار الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يحشر المرء مع من أحبّ ، ولو أحبّ أحدكم حجرا لحشر معه . وقوله : فلم يجز . إلى قوله : بحقّه . تقرير لعدله تعالى في ذلك اليوم . والمعنى أنّ كلّ حركة ولو طرفة عين في الهواء أو همس قدم في الأرض فإنّها لا تجرى في عدله إلَّا بحقّها لا يزاد عليه ولا ينقص عنه . ثمّ أشار إلى كثرة الحجج الباطلة يومئذ والأعذار المنقطعة ترغيبا في تحصيل الكمالات البرهانيّة ولزوم آثار المرسلين والأولياء الأبرار في سلوك سبيل اللَّه ، وإنّما ذكر مخاوف ذلك اليوم وأهواله بعد ذكر السعداء فيه وتعيين أنّهم هم الهاربون من الدنيا اليوم ليرغَّب إلى الاقتداء بهم في ذلك الهرب لغاية تلك السعادة . ثمّ أمر أن يطلب الإنسان من أموره وأحواله أحراها وأولاها ممّا يقوم به عذره في ذلك اليوم وتثبت به حجّته في محفل القيامة ، وذلك الأمر هو ما أشرنا إليه من البرهان واقتفاء أثر المرسلين ، وكذلك أمره أن يأخذ ما يبقى له من الكمالات المسعدة في الآخرة ممّا لا يبقى له وهو الدنيا ومتاعها ، وقد بيّنا كيفيّة ذلك الأخذ غير مرّة ، وأن تيسّر لسفره : أي يستعدّ لسفره إلى اللَّه بالرياضة بالزهد والعبادة ، وأن يشيم برق النجاة : أي يوجّه سرّه إلى اللَّه تعالى بعد الزهد الحقيقي والعبادة الكاسرة للنفس الأمّارة بالسوء لتشرق لوامع الأنوار الإلهيّة وبروقها الَّتي هي بروق النجاة وأبواب السلامة كما أشار إليه فيما قبل هذا الفصل بفصلين بقوله : وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ، وأن يرحل مطايا التشمير وهو إشارة إلى الجدّ في سلوك سبيل اللَّه والاجتهاد في العمل لما بعد الموت ، واستعار لفظ المطايا لآلات العمل ، ولفظ الإرحال لإعمالها ، وباللَّه التوفيق .