ابن ميثم البحراني
75
شرح نهج البلاغة
مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ ؟ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ - أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ - فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ وجَلَّدَكَ عَلَى بِمُصَابِكَ وعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ - وهِيَ أَعَزُّ الأَنْفُسِ عَلَيْكَ - وكَيْفَ لَا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ - وقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ - فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ - ومِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ - وكُنْ لِلَّهِ مُطِيعاً وبِذِكْرِهِ آنِساً - وتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ - إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ - ويَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وأَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ - فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ - وتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ - وأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ - وفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ - فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ ولَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ - بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ - فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ - أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ - وأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ - مُتَوَازِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ - لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الأَخْلَاقِ - ومَسَاوِئِ الأَعْمَالِ - وحَقّاً أَقُولُ مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ ولَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ - ولَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ وآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ - ولَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ - والنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وأَوْفَى مِنْ أَنْ