ابن ميثم البحراني
72
شرح نهج البلاغة
فإن كان قد أدّى الفرائض على وجهها شكر اللَّه تعالى عليه ورغبّها في مثلها ، وإن فوّتها من أصلها كلَّفها بالقضاء ، وإن أدّتها ناقصة كلَّفها بالجبران بالنوافل ، وإن ارتكب معصية اشتغل بعقابها وتعذيبها ومعاتبتها واستوفى منها ما يتدارك به تفريطها كما يصنع التاجر بشريكه . وكما أنّه ينقش في حساب الدنيا عن الحبّة والقيراط فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان كذلك ينبغي أن تتّقى خدعة النفس ومكرها فإنّها مخادعة مكَّارة فليطالبها أوّلا بتصحيح الجواب عمّا تكلَّم به طول نهاره وليتولَّى من حسابها بنفسه ما سيتولَّاه غيره في محفل القيامة ، وكذلك عن نظره وخواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ، وحتّى عن سكونه وسكوته . فإذا عرف أنّها أدّت الحقّ في الجميع كان ذلك القدر محسوبا له فيظهر بها الباقي ويقرّره عليها ويكتبه على صحيفة قلبه . ثمّ إنّ النفس غريم يمكن أن يستوفى منه الديون أمّا بعضها فبالغرامة والضمان وبعضها بردّ عينها بالعقوبة لها على ذلك ولا يمكن شيء من ذلك إلَّا بعد تحقّق الحساب وتميّز باقي الحقّ الواجب عليه . ثمّ يشتغل بعده بالمطالبة . وينبغي أن يحاسب الإنسان النفس على جميع العمر يوما يوما وساعة في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة كما نقل عن توبة بن الصمة وكان بالرقّة وكان محاسبا لنفسه فحسب يوما فإذا هو ستّين سنة فحسب أيّامها فإذا أحد وعشرون ألف يوم وخمس مائة يوم فصرخ فقال : يا ويلتي ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب . ثمّ خرّ مغشيّا عليه فإذا هو ميّت فسمعوا قائلا يقول : يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى . فهكذا ينبغي أن تكون المحاسبة ، ولو رمى العبد بكلّ معصية حصاة في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة من عمره ولكنّه يتساهل في حفظها والملكان يحفظان عليه كما قال تعالى « أَحْصاهُ الله ونَسُوهُ » ( 1 ) . إذا عرفت ذلك فقوله : وفرغوا لمحاسبة أنفسهم . إلى قوله : ندم واعتراف . إشارة إلى حال وجدانهم عند محاسبة أنفسهم لتقصيرها والخسران في رؤس
--> ( 1 ) 58 - 7 .