ابن ميثم البحراني
6
شرح نهج البلاغة
أي لمجاهرته بالمعصية فإنّه إذا كان يعلم أسراركم فهو يعلم ظواهر كم أولى . وقوله : وأخرجوا . إلى قوله : أبدانكم . أمر لهم بالزهد في الدنيا قبل الموت ، وكنّى عنه بإخراج القلوب منها . يقال : خرج فلان عن كذا ، وأخرج نفسه من كذا إذا أعرض عنه وتبرّء منه . وقوله : ففيها اختبرتم . إشارة إلى قصد العناية الإلهيّة منها ، وقد عرفت معنى الاختبار ، ولغيرها خلقتم : أي لنيل السعادة في الآخرة بالذات ، أو الشقاوة لمن حرّمها بالعرض . وقوله : إنّ المرء . إلى قوله : قدّم . أي ما ترك من متاع الدنيا أو ما قدّم من الأعمال الصالحة ، وإنّما قرن ذكر الناس وما يسئلون عنه بذكر الملائكة وما يسئلون عنه لينبّه على شرف الأعمال المسعدة في الآخرة على متاع الدنيا لكون الأوّل مطلوب الملائكة وما تعتنون بالفحص عنه ، وكون الثاني معتنى الناس الغافلين ، وفي لفظ ما ترك وما قدّم لطف شبيه [ تنبيه خ ] على أنّ متاع الدنيا مفارق متروك والأعمال الصالحة مقدّمة باقية نافعة للمرء في معاده فينبغي أن تكون العناية بها دون المفارق المتروك . وقوله : للَّه آباؤكم . كلمة تقولها العرب لتعظيم المخاطب بنسبته أو بنسبة أبيه إلى اللَّه يقال : للَّه أنت وللَّه أبوك ، وقيل : اللام للعاقبة : أي إلى اللَّه تصير آبائكم لكن بذلك يخرج الكلام عن معنى التعجّب والاستعظام . وقوله : فقدّموا بعضا . إلى آخره . أي فقدّموا بعضا من متاع الدنيا كالصدقات ونحوها يكن لكم ثوابها في الآخرة كقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يا بن آدم ليس لك من دنياك إلَّا ثلاث : ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأبقيت ، ولا تخلَّفوها بأسرها لغيركم فيكون عليكم وزرها ، وقد علمت كيفيّة استلزام الصدقة والزكاة ونحوها للملكات الفاضلة والثواب الأخروي ، واستلزام البخل وادخار المال للشقاوة الأُخرويّة ، وإنّما خصّص