ابن ميثم البحراني
427
شرح نهج البلاغة
الموائد والمزايا في الزينة والحاجة كيف يرضى بسياقتهم إلى الهلاك الأبديّ بل إذا أراد اعتبارا في هذا الباب علم أنّه تعالى هيّأ لأكثر الخلق أسباب السعادة في الدنيا حتّى كان الغالب على أكثرهم الخير والسلامة سنّة اللَّه الَّتي قد خلت في عباده وعلم أنّ الغالب في أمر الآخرة ذلك أيضا لأنّ مدبّر الدنيا والآخرة واحد وهو اللطيف بعباده وهو الغفور الرحيم ، وحينئذ تكون الملاحظات والاعتبارات مستلزمة لحسن الظنّ وباعثة على الرجاء . ومن هذه الاعتبارات النظر في حكمة الشريعة وسببها ومصالح الدنيا ، ووجه الرحمة على العباد بها ، وبالجملة أن يعتبر صفات الرحمة واللطف . وأمّا في الخوف فأقوى أسبابه أن يعرف اللَّه تعالى وصفات جلاله وعظمته وتعاليه وسطوته واستغناه ، وأنّه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع ، وكذلك ساير اعتبارات الصفات الَّتي يقتضى العنف وإيقاع المكاره كالسخط والغضب ، ولذلك قال تعالى « إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » ( 1 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أنا أخوفكم للَّه . وبحسب اشتداد المعرفة بتلك الاعتبارات يكون حال الخوف واحتراق القلب ثمّ يفيض أثر ذلك على البدن فيحصل التحوّل والصغار والغشية والرعقة والرعدة على الجوارح فيكفّها عن المعاصي ويقيّدها بالطاعات استدراكا لما فرّط منه في الصفات فيفيد قمع الشهوات وتكدير اللذّات ، ولاحتراق القلب بالخوف يحصل له ذبول وذلَّة يفارقه معها كثير من الرذائل كالكبر والحسد والحقد والبخل وغيرها . ثمّ إنّ الجمع بينهما يستلزم كثيرا من الفضائل ، وذلك أنّ معرفة اللَّه تعالى واليقين به إذ حصل هيّج الخوف من عقابه والرجاء لثوابه بالضرورة ، وهما يفيدان الصبر إذ حفّت الجنّة بالمكاره فلا صبر على تحمّلها إلَّا بقوّة الرضا ، وحفّت النار بالشهوات فلا صبر على قمعها إلَّا بقوّة الخوف . ولذلك قال عليّ عليه السّلام : من اشتاق إلى الجنّة سلَّي عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرّمات . ثمّ يؤدّى مقام الصبر إلى مقام المجاهدة والتجرّد لذكر اللَّه ودوام الفكر فيه وهى مؤدّية إلى كمال المعرفة المؤدّى إلى الأُنس المؤدّى
--> ( 1 ) 35 - 25 .