ابن ميثم البحراني
402
شرح نهج البلاغة
عليه وآله كانتفاعي بهذا الكلام . أَمَّا بَعْدُ - فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ - ويَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ - فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ - ولْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا - ومَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلَا تُكْثِرْ بِهِ فَرَحاً - ومَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً - ولْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ . أقول : الدرك : اللحوق . ولا تأس : ولا تحزن . وحاصل الفصل النهى عن شدّة الفرح بما يحصل من المطالب الدنيويّة وشدّة الأسف على ما يفوت منها ، وبيان ما ينبغي للإنسان أن يسرّ بحصوله ويأسف لفقده ممّا لا ينبغي له . فأشار إلى الأوّل بقوله : فإنّ المرء إلى قوله : ليدركه ، وهو خبر في معنى النهي ، ولفظ ما في الموضعين مهمل يراد به المطالب الدنيويّة ، ونبّه بقوله : ما لم يكن ليفوته . على أنّ ما يحصل من مطالب الدنيا أمر واجب في القضاء الإلهيّ وصوله إلى من يحصل له فهو كالحاصل فلا ينبغي أن يشتدّ فرحه عند حصوله ، وبقوله : ما لم يكن ليدركه . على أنّ ما يفوت منها فهو أمر واجب فوته فالأسف عليه ممّا لا يجدي نفعا بل هو ضرر عاجل . ثمّ خصّصه بالخطاب على سبيل الوصيّة والموعظة وفصّل له ما ينبغي أن يسرّ ويأسف عليه ممّا لا ينبغي له فأمّا ما ينبغي أن يسرّ به فهو ما ناله من آخرته وما ينبغي أن يأسف عليه فهو ما فاته منها ، وأمّا ما ينبغي أن لا يفرح به ممّا ناله من دنياه لما عرفت من وجوب فنائها وكون القرب منها مستلزما للبعد عن الآخرة وما ينبغي أن لا يأسف عليه ممّا لم ينله منها لكون البعد عنها مستلزما للقرب من الآخرة . فإن قلت : كيف قال : ما نلت من آخرتك . ومعلوم أنّه لا ينال شيء من الآخرة إلَّا بعد الموت .