ابن ميثم البحراني
403
شرح نهج البلاغة
قلت : يحتمل وجهين : أحدهما : لا نسلَّم أنّ من مطالب الآخرة لا يحصل إلَّا بعد الموت فإنّ الكمالات النفسانيّة من العلوم والأخلاق الفاضلة والفرح بها من الكمالات الأُخرويّة وإن كان الإنسان في الدنيا . الثاني : يحتمل أن يريد فليكن سرورك بما نلت من أسباب آخرتك . فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . وكذلك بيّن له ما ينبغي أن يكون همّه متوجّها نحوه وقصده متعلَّقا به وهو ما بعد الموت من أحوال الآخرة من سعادة دائمة يسعى في تحصيلها أو شقاوة لازمة يعمل للخلاص منها . وباللَّه التوفيق . 23 - ومن كتاب له عليه السّلام قاله قبل موته على سبيل الوصية ، لما ضربه ابن ملجم لعنه اللَّه وَصِيَّتِي لَكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً - ومُحَمَّدٌ ص فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ - أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ - وأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ وخَلَاكُمْ ذَمٌّ - أَنَا بِالأَمْسِ صَاحِبُكُمْ - والْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وغَداً مُفَارِقُكُمْ - إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي - وإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي - وإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ - فَاعْفُوا « أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ » واللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ - ولَا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ - ومَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ وطَالِبٍ وَجَدَ - « وما عِنْدَ الله خَيْرٌ لِلأَبْرارِ » قال الرضى رحمه اللَّه ، وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب ، إلا أن فيه ههنا زيادة أوجبت تكريره .