ابن ميثم البحراني
349
شرح نهج البلاغة
إِلَى الشِّقَاقِ والْعِصْيَانِ - فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ - واسْتَعْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ - فَإِنَّ الْمُتَكَارِهً مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ - وقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ أقول : روى أنّ الأمير الَّذي كتب إليه هو عثمان بن حنيف عامله على البصرة ، وذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها وعزموا على الحرب فكتب عثمان إليه يخبره بحالهم فكتب عليه السّلام إليه كتابا فيه الفصل المذكور . وقوله : انهد : أي انهض . والتقاعس : التأخّر والقعود . واستعار لفظ الظلّ لما يستلزمه الطاعة من السلامة والراحة عن حرارة الحرب ومتاعبها الَّتي هي ثمرات الشقاق كما يستلزم الظلّ الراحة من حرّ الشمس . وقوله : وإن توافت الأمور بالقوم [ بهم الأمور خ ] . أي تتابعت بهم المقادير وأسباب الشقاق والعصيان إليهما . واعلم أنّه لمّا كان مقصوده عليه السّلام ليس إلَّا اجتماع الخلق على طاعته ليسلك بهم سبل الحقّ كما هو مقصود الشارع صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم نبّه على ذلك بقوله : فإن عادوا . إلى قوله : نحبّ . وقوله : فذاك . يعود إلى المصدر الَّذي دلّ عليه عادوا ، ويفهم قوله : فذاك الَّذي نحبّ . حصر محبوبه في عودهم : أي لا نحبّ إلَّا ذلك ، ولذلك أمره بمحاربة العصاة والاستعانة بمن أطاعه عليهم على تقدير مشاقّتهم وعصيانهم ، وعلَّل تعيين النهوض بالمطيعين دون المتكارهين ، وبالمنقادين دون المتقاعسين بأنّ المتكاره في ذلك مغيبه خير من مشهده وقعوده أغنى من نهوضه وذلك لما يقع بسبب المتكاره من تخاذل الناس عند رؤيته كذلك واقتدائهم بحاله حتّى ربّما لا يكتفى بعدم منفعته بل بذكر المفاسد في الحرب وما يستلزمه من هلاك المسلمين ، وكون ذلك منه ونحوه كما