ابن ميثم البحراني

328

شرح نهج البلاغة

قوله : ومن ذاهب لدائم . ثمّ أخذ في وصف ذلك المرء كأنّه سئل عنه فقال : امرء خاف اللَّه في حال ما هو معمّر إلى أجله ومنظور إلى عمله . ونبّهه بغاية أجله وكون عمله منظورا إليه أي منظورا للَّه ومرئيّا له تخويفا من هجوم الأجل وجذبا إلى صالح الأعمال للَّه تذكير اطَّلاعه عليها وعلمه بها . وقوله : امرء لجّم نفسه . بدل من امرء الأوّل . واستعار لفظ اللجام للزهد الحقيقيّ والعفّة . ووجه المشابهة كونهما مانعين للنفس الأمّارة من جماحها في تيه الهوى ومعاصي اللَّه كما يمنع اللجام الدابّة عن الجماح . ورشّح بذكر الإلجام ، وكنّى به عن ورع النفس بالزهد ، وأشار إلى ذلك الوجه من المشابهة بقوله : فأمسكها بلجامها عن معاصي اللَّه . وكذلك استعار لفظ الزمام للعبادة باعتبار ما هي قائدة للنفس الأمّارة بالسوء إلى موافقة النفس المطمئنّة في طاعة اللَّه كما تقاد الناقة بزمامها إذ علمت أنّ العبادة إنّما وضعت لتطويع النفس الأمّارة للعقل وانقيادها تحت أسره وانجذابها خلفه عند توجّهه في المعارج القدسيّة إلى حضرة ذي الجلال والإكرام . وإلى ذلك الوجه من المشابهة أشار بقوله : وقادها بزمامها ، ورشّح بذكر الزمام والقود ، وكنّى بهما عن إيقاع العبادة وتطويع النفس لها . وباللَّه التوفيق . 238 - ومن خطبة له عليه السّلام في شأن الحكمين ، وذم أهل الشام جُفَاةٌ طَغَامٌ عَبِيدٌ أَقْزَامٌ - جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ وتُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ - مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهً ويُؤَدَّبَ - ويُعَلَّمَ ويُدَرَّبَ ويُوَلَّي عَلَيْهِ - ويُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ - لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ - ولَا مِنَ « الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ » أَلَا وإِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ - أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا يُحِبُّونَ - وإِنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ