ابن ميثم البحراني

311

شرح نهج البلاغة

فإذا نحن بخرير الماء في حفرة عند موضع دالية . فقال لي : فتّش هذا . ففتشّته فإذا قتيل قد صار في الماء وإذا رجله في يدي فجذبتها وقلت : هذه رجل إنسان . فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الأخرى وجرّرناه فإذا هو المخدج . فكبّر عليه السّلام ثمّ سجد وكبّر الناس بأجمعهم . وأمّا الصعقة الَّتي أشار إليها فهي ما أصاب ذا الثدية من الغشي والموت بضربته عليه السّلام حتّى استلزم ذلك ما حكاه من سماعه لرجّة صدره ووجيب قلبه . وقال بعضهم المراد بالصعقة هنا الصاعقة وهى صيحة العذاب وذلك أنّه روى أنّ عليّا عليه السّلام لمّا قابل القوم صاح القوم فكان ذو الثدية ممّن هرب من صيحته حتّى وجد قتيلا في الحفرة المذكورة . وقال بعضهم : يحتمل أن يشير بالشيطان إلى إبليس المتعارف كما أشرنا إليه في الخطبة الأولى وهو القوّة الوهميّة فاستعار لفظ الردهة وهى النقرة في الجبل للبطن الأوسط من الدماغ الَّذي هو محلّ هذه القوّة لمكان المشابهة ، وقد يعبّر بالجبل عن الدماغ في عرف المجرّدين وعن القوى فيه ، وبالجنّ الشياطين تارة وبالملائكة أخرى . ولمّا كانت الأنبياء عليهم السّلام والأولياء قد يشاهدون الأمور المجرّدة والمعاني المقبولة كالملائكة والجنّ والشياطين في صورة محسوسة باستعانة من القوّة المحصّلة كما علمت في المقدّمات وكما سنشير إليه عن قرب احتمل أن يقال أنّه عليه السّلام رأى الشيطان المذكور بصورة محسوسة ذات صدر وقلب وأنّه عليه السّلام لمّا كان في مقام العصمة وملكة للنصر على الشيطان وقهره وإبعاده سمع من الجناب الإلهيّ صيحة العذاب أرسلت على الشيطان فسمع لها وجيب قلبه ورّجة صدره كما سمعت رنّته فيما يحكيه في باقي الكلام . واللَّه أعلم . وأمّا البقيّة من أهل البغي فمعاوية ومن بقي من جند الشام حيث وقعت الحرب بينهم وبينه بمكيدة التحكيم . وحكمه عليه السّلام بأنّه إن أذن اللَّه سبحانه في الرجوع إليهم ليغلبنّهم ولتكونّن الدايرة عليهم ثقة بعموم توعّده تعالى في قوله ومن بغى عليه لينصرنّه اللَّه وقوله تعالى « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ » ( 1 ) وقوله « إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ » ( 2 ) وأمثاله . وكنّى بإذن اللَّه عن توفيق أسباب

--> ( 1 ) 10 - 23 . ( 2 ) 47 - 7 .