ابن ميثم البحراني

292

شرح نهج البلاغة

في معرض التوبيخ لهم على تعصّبهم الباطل الَّذي تثور به الفتن مع أنّه ليس لأمر يعرف من وجه المنفعة والمصلحة الحاملة عليه . ولفظ إلَّا يقتضى حصر وجدانه لمن يتعصّب لشيء في وجدانه له متعصّبا عن علَّة تحتمل تشبيه الأمر على أهل الجهل بحيث يظنّ سببا صحيحا للتعصّب أو عن حجّة ملتصق بعقول السفهاء فيقبلها ، وهذا هو مقتضى العقل . إذ كان الترجيح من غير مرجّح محال في بداية العقول . وتقدير الكلام : فما وجدت أحدا يتعصّب إلَّا وجدته يتعصّب عن علَّة . وقوله : غيركم . استثناء من معنى الإثبات في الجملة المفيدة للحصر كأنّه قال : وجدت كلّ أحد يتعصّب عن علَّة إلَّا أنتم . وقوله : تتعصّبون لأمر ما يعرف له سبب ولا علَّة . أي سبب يحتمل التموية على الجهلاء وعلَّة ملتصق بعقول السفهاء ولم يرد نفى مطلق السبب . إذ سبب تعصّبهم وثوران الفتنة بينهم هو الاعتزاء الَّذي كان بينهم وكان يقع من جهّالهم كما ذكرناه في سبب الخطبة لكنّه ترك الوصف هنا لتقدّمه . ثمّ أخذ في تفصيل وجوه العصبيّة وأسبابها فبدء بذكر مبدء العصبيّة لإبليس . وسبب عصبيّته لأصله اعتقاده لطف جوهره وشرفه . إذا لنار أشرف من الطين مع جهله بسرّ البشريّة ووضع آدم على هذه الخلقة وخلقته الَّتي وضع عليها خلقه فلذلك فضّل نفسه قياسا للفرع على الأصل في الشرف والخسّة فقال : أنا ناريّ وأنت طينيّ . ولذلك قيل : إنّ أوّل من قاس إبليس . ثمّ بعصبيّة الأغنياء والجهّال من مترفة الأمم لكونهم تلامذة إبليس في العصبيّة ، وأشار إلى علَّة تعصّبهم وهى آثار مواقع النعم ، ومواقعها هي الأموال والأولاد وسائر ما ينتفع به كما قال تعالى حكاية عنهم « نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً » ( 1 ) وآثار تلك المواقع هي الغنى والترفّه بها والتنعّم والالتذاذ ، وكان تعصّبهم لذلك وفخرهم به . ويجب أن يعلم أنّ الأموال والأولاد أنفسها ليست نعما مطلقا لأنّ النعمة من الأمور الإضافيّة

--> ( 1 ) 34 - 34 .