ابن ميثم البحراني
293
شرح نهج البلاغة
إنّما يقال بالنسبة إلى منعم ومنعم عليه وليس المال مطلقا كذلك ولا الولد باعتبار ذاته بل إنّما يطلق عليهما لفظ النعمة باعتبار انتفاع الإنسان بهما حتّى لو كانا سببا لهلاكه وأذاه لم يكونا بذلك الاعتبار إلَّا نعمة عليه وفتنة له فلذلك جعلها مواقع النعم : أي محالّ قابلة لكونها نعما ، ويحتمل أن يريد بالنعم الأموال والأولاد وبمواقعها وقوعها فإنّه كثيرا ما يريد بمفعل المصدر وآثارها هي الغنى والترفّه كما قدّمناه . ثمّ لمّا وبّخهم على التعصّبات الباطلة نبّههم على مواقع العصبيّة وما ينبغي أن يكون له وهى مكارم الأخلاق ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور الَّتي تفاضلت فيها أهل المجد والشرف والنجدة من بيوتات العرب وسادات القبائل . والباء في قوله : بالأخلاق . متعلَّقه بتفاضلت فإنّ المذكورين تفاضلوا في محاسن الأمور بالأخلاق الرغيبة : أي المرغوب فيها ، وقد علمت فيما سبق أصول الأخلاق الفاضلة وما تحتها من أنواعها ، والحلم ملكة تحت الشجاعة وهى الإناءة والرزانة عند الغضب وموجباته والمفاضلة بالأخطار الجليلة مراعاتا للمراتب المحمودة ومنازل الشرف بالمحافظة على تلك الأخلاق المحمودة وملازمتها ، وكذلك المفاضلة بالآثار المحمودة يعود إلى ملازمة الأفعال الجميلة الموافقة للأخلاق النفسانيّة كفعل البذل عن السخاء وكقتل القريب مثلا مراعاة للعدل والوفاء . ثمّ أمرهم بعد التنبيه على تلك المكارم بالعصبيّة لها فقال : فتعصّبوا لخلال الحمد . وأشار إلى تفصيلها : فمنها : حفظ الجوار وهى فضيلة تتشعّب عن فضيلتين لأنّ حفظه يكون بالكفّ عن أذاه وذلك فضيلة تحت العدل ، ويكون بالإحسان إليه ومصادقته ومسامحته ومواساته وتلك أمور تحت العفّة . ومنها : الوفاء بالذمام وهو تحت العفّة . ومنها : الطاعة للبرّ والأولى أن يريد بالبرّ هنا ما أراد به القرآن الكريم بقوله « لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ولكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله . إلى قوله « وأُلئك هم المتّقون ولكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى » ( 1 ) . فإنّ المراد في هاتين القرينتين بالبرّ كمال الايمان والتقوى والأعمال الجميلة ، ومعنى طاعة البرّ التلبّس
--> ( 1 ) 2 - 172 .