ابن ميثم البحراني

289

شرح نهج البلاغة

تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وتَفَرُّقِهِمْ - لَيَالِيَ كَانَتِ الأَكَاسِرَةُ والْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ - يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الْآفَاقِ وبَحْرِ الْعِرَاقِ - وخُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ - ومَهَافِي الرِّيحِ ونَكَدِ الْمَعَاشِ - فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ ووَبَرٍ - أَذَلَّ الأُمَمِ دَاراً وأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً - لَا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا - ولَا إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا - فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ والأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ - والْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ - فِي بَلَاءِ أَزْلٍ وأَطْبَاقِ جَهْلٍ - مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ وأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ - وأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ وغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا - فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ - كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا - وأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا - والْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا - فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ - وفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ - قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ - وآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ - وتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ - فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ - ومُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ - يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ - ويُمْضُونَ الأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ - لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ ولَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ