ابن ميثم البحراني

286

شرح نهج البلاغة

وقوله : مع ما في الزكاة . إلى قوله : الفقير . إشارة إلى سرّ آخر من أسرار الزكاة وهو ظاهر . وقد ذكرنا أسرارها مستقصاة في الفصل الَّذي أوّله : إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون . قوله : انظروا . إلى آخره . أمر باعتبار ما في هذه الأفعال : أي الَّتي تقع في الصلاة والزكاة والصيام من تعفير عتائق الوجوه وإلصاق كرائم الجوارح وهى الأيدي والأرجل ولحوق البطون بالمتون إلى غير ذلك من الأفعال المستلزمة للتواضع والتذلَّل تأكيدا لما قرّره أوّلا من كون هذه العبادات حارسة لعباد اللَّه عن رذيلة الكبر . وباللَّه التوفيق . الفصل الرابع : في توبيخهم على المعصية من غير سبب يعرف أو حجّة يقبلها عقل ، وأمرهم بالتعصّب لمحامد الأخلاق ومكارمها ، وتحذيرهم من العقوبات النازلة بمن قبلهم من الأمم والنظر في عاقبة أمرهم ، وغير ذلك من الأمور الواعظة . وذلك قوله : ولَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ - يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ إِلَّا عَنْ عِلَّةٍ - تَحْتَمِلُ تَمْوِيهً الْجُهَلَاءِ - أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ - فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ ولَا عِلَّةٌ - أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لأَصْلِهِ - وطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ - فَقَالَ : ( أَنَا نَارِيٌّ وأَنْتَ طِينِيٌّ ) وأَمَّا الأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الأُمَمِ - فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ - فَقالُوا : ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً - وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ - فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ - ومَحَامِدِ الأَفْعَالِ ومَحَاسِنِ الأُمُورِ - الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ والنُّجَدَاءُ - مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ