ابن ميثم البحراني
279
شرح نهج البلاغة
لأنّ ذوات الحافر ترسغ فيها وتتعب في المشي بها . قال الشارحون : وأراد بالخفّ والحافر والظلف دوابّها وهي الجمال والخيل والغنم والبقر مجازا إطلاقا لاسم الجزء على الكلّ أو على تقدير إرادة المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وأراد بكونها لا تزكو : أي لا تسمن وتزيد للجدب وخشونة الأرض ، والضمير في بها راجع إلى ما دلّ عليه أو عر من الموصوف فإنّه أراد بواد أوعر بقاع الأرض حجرا كما قال : إنّي أسكنت من ذرّيّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم . وقوله : ثمّ أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه . قد دلّ كلامه عليه السّلام على أنّ البيت الحرام كان منذ آدم عليه السّلام والتواريخ شاهدة بذلك . وقال الطبري : روى عن ابن عبّاس أنّ اللَّه تعالى أوحى إلى آدم لما اهبط إلى الأرض أنّ لي حرما حيال عرشي فانطلق فابن لي بيتا فيه ثمّ طف به كما رأيت ملائكتي تحفّ بعرشي فهنا لك استجيب دعاك ودعاء من تحفّ به من ذرّيّتك . فقال آدم : إنّي لست أقوى على بنيانه ولا اهتدى إليه . فبعث اللَّه تعالى ملكا فانطلق به نحو مكَّة فكان آدم كلَّما رأى روضة أو مكانا يعجبه سأل الملك أن ينزل به هنالك لتبنى فيه فيقول له الملك : ليس هاهنا . حتّى أقدمه مكَّة فبنى البيت من خمسة جبال طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجوديّ ، وبنى قواعده من حرّاء . فلمّا فرغ من بنيانه خرج به الملك إلى عرفات وأراه المناسك كلَّها الَّتي يفعلها الناس اليوم ، ثمّ قدم به مكَّة وطاف بالبيت أسبوعا ، ثمّ رجع إلى أرض الهند . وقيل : إنّه حجّ على رجليه إلى الكعبة أربعين حجّة . وروى عن وهب بن مبنّة أنّ آدم دعا ربّه فقال : يا ربّ أما لأرضك هذه عامر يسّبحك فيها ويقدّسك غيرى فقال له تعالى : إنّي سأجعل فيها من ولدك من يسبّح بحمدي ويقدّسني ، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى يسبّحني فيها خلقي ويذكر فيها اسمي ، وسأجعل من تلك البيوت بيتا اختصّه بكرامتي وأوثره باسمي فأُسميّه بيتي وعليه وضعت جلالتي وعظَّمته بعظمتي ، وأنا مع ذلك في كلّ شيء ومع كلّ شيء ، أجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله وما حوله ومن تحته ومن فوقه فمن