ابن ميثم البحراني
280
شرح نهج البلاغة
حرّمه بحرمتي استوجب كرامتي ومن أخاف أهله فقد أباح حرمتي واستحقّ سخطي ، وأجعله بيتا مباركا يأتيه بنوك شعثا غبر أعلى كلّ ضامر من كلّ فجّ عميق يزجّون بالتلبية زجيجا ويعجّون بالتكبير عجيجا ، من اعتمده لا يريد غيره ووفد إليّ وزارني واستضاف بي أسعفته بحاجته ، وحقّ على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه . تعمره يا آدم ما دمت حيّا ثمّ تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أُمّة بعد أُمّة وقرنا بعد قرن . ثمّ أمر آدم إلى أن يأتي البيت الحرام فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول العرش . وبقى أساسه بعد طوفان نوح فبوّأه اللَّه لإبراهيم فبناه . ولنرجع إلى المتن فنقول : إنّه كنّى بثني أعطافهم نحوه عن التفاتهم إليه وقصدهم له . وقوله : فصار مثابة لمنتجع أسفارهم . أي مرجعا لما تنجع من أسفارهم : أي لطلب منه النجعة والخصب كما قال تعالى « وإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وأَمْناً » ( 1 ) وكقوله تعالى « لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ويَذْكُرُوا اسْمَ الله » ( 2 ) وذلك أنّه مجمع الخلق وبه يقام الموسم أيّام الحجّ فيكون فيه التجارات والأرباح كما أشرنا إليه في الخطبة الأولى . وكذلك كونه غاية لملقى رحالهم : أي مقصدا . وقوله : تهوى إليه ثمار الأفئدة . أي تميل وتسقط . وهوى الأفئدة ميولها ومحبّتها إلَّا أنّه لمّا كان الَّذي يميل إلى الشيء ويحبّه كأنّه يسقط إليه ولا يملك نفسه استعير لفظ الهوى للحركة إلى المحبوب والسعي إليه ، وأمّا ثمار الأفئدة فقال بعض الشارحين : ثمرة الفؤاد سويد القلب . ولذلك يقال للولد : ثمرة الفؤاد . وأقول : يحتمل أن يكون لفظ الثمار مستعارا للخلق باعتبار أنّ كلَّا منهم محبوب لأهله وآبائه فهو كالثمرة الحاصلة لأفئدتهم من حيث هو محبوب لهم كأنّ أفئدتهم ومحبّتهم له قد أثمرته من حيث إنّها أفادت تربيته والعناية به حتّى استوى إنسانا كاملا ، ويحتمل أن يريد بثمار الأفئدة الأشياء المجبيّة المعجبة من كلّ شيء كما قال تعالى « يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ » ( 3 ) و
--> ( 1 ) 2 - 11 . ( 2 ) 22 - 29 . ( 3 ) 28 - 57 .