ابن ميثم البحراني

256

شرح نهج البلاغة

بكلّ مكان وضربهم منهم كلّ بنان كناية عن استقصائهم وقتلهم وأذاهم ، ولفظ الاقتناص مستعار ، وظاهر أنّهم لا يمتنعون من أفعاله بعد استحكام طمعه فيهم واستفحال سلطانه عليهم بحيلة ، ولا يدفعون عن ألفتهم بعزيمة : أي جدّ واجتهاد وصرامة في أمر لما سبق منهم من التخاذل والانفعال ، والحومة والحلقة والعرصة والجولة ألفاظ كنّى بها عن الدنيا . إذ كانت محلّ ذلَّهم والضيق عليهم وعرصة موتهم ومنصة بلائهم . والإضافات الأربع بمعنى اللام . ثمّ عاد إلى أمرهم بتطهير قلوبهم من رذيلة العصبيّة وأحقاد الجاهليّة ، واستعار لفظ النيران لما يثور من حرارة الغضب وعنه العصبيّة ، وقد علمت أنّ مبدء تلك الحرارة القلب ، ورشّح بذكر الإطفاء ، ولك أن تسمّى تلك النيران حميّة كما سبق فلذلك فسرّها بها فقال : وإنّما تلك الحميّة . ويفهم من الحميّة أنّها خبر المبتدأ ، وقوله : تكون . خبر بعد خبر ، ويحتمل أن يكون صفة لتلك والخبر تكون ، وظاهر أنّ الحميّة والعصبيّة الباطلة من خطرات الشيطان الَّتي يخطرها للنفوس ، ونخواته الَّتي يحدثها فيها بتحسينه الغلبة والانتقام والترفّع والترأس على الخلق ، ومن نزغاته الَّتي يفسد بها الناس ، ونفثاته الَّتي يلقيها إلى أذهانهم لغرض الإفساد والإضلال ، وأراد بإضافتها إلى الشيطان التنفير عنها . ثمّ أردفه بالأمر بالتذلل وأراد به التواضع وأمرهم أن يعتمدوا وضعه على رؤوسهم وهو كناية عن إعزازهم والعناية به لكونه فضيلة ، وأن يلقوا التعزّز تحت أقدامهم وهو كناية عن إطراحه وعدم العناية به لكونه رذيلة ، وأن يخلعوا التكبّر من أعناقهم . واستعار لفظ الخلع لطرح التكبّر ونسبه إلى الأعناق ملاحظة لشبهه بما يلبس من قميص أو طوق فأمرهم بخلعه إذ ليسوا أهلا له وليس ممّا ينبغي لهم ، وأن يلزموا التواضع . واستعار له لفظ المسلحة ، ووجه المشابهة أنّه لمّا كان المتواضعون بسبب تواضعهم وتخلَّقهم به حافظين لدينهم وأنفسهم من دخول إبليس وجنوده عليهم برذيلة الكبر وما يلزمها من سائر الرذائل المعدودة المهلكة أشبه تواضعهم المسلحة الَّتي هي محلّ الحفظ بها من غارات العدوّ . ولمّا علمت ما يلزم الكبر من الرذائل فلا يخفى عليك ما يلزم التواضع من أضدادها ونقائضها .