ابن ميثم البحراني
246
شرح نهج البلاغة
وقوله : وكان قد عبد اللَّه . إلى قوله : الآخرة . فيشبه أن يكون قد أشار بسني الآخرة إلى سنين موهومة عن مثل اليوم المشار إليه بقوله تعالى : « وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » ( 1 ) وقوله « فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » ( 2 ) وتقريره أنّ الأيّام في الآخرة ممّا لا يمكن حملها على حقائقها لأنّ اليوم المعهود عبارة عن زمان طلوع الشمس إلى مغيبها ، وبعد خراب العالم على ما نطقت به الشريعة لا يبقى ذلك الزمان ، وعلى رأى من أثبت بقاء الفلك تكون القيامة عبارة عن مفارقة النفوس لأبدانها أو عن أحوال تعرض لها بعد المفارقة ، والمجرّدات المفارقات لا يكون لأحوالها زمان ولا مكان حتّى تجرى في يوم أو سنة فتعيّن حمل اليوم على مجازه وهو الزمان المقدّر بحسب الوهم القايس لأحوال الآخرة إلى أحوال الدنيا وأيّامها إقامة لما بالقوّة مقام ما بالفعل . وكذلك السنة . وهذه الأزمنة هي الَّتي أشار إلى مثلها المتكلَّمون بقولهم : إنّ تقدّم الباري تعالى على وجود العالم بتقدير أزمنة لا نهاية لها . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ قوله تعالى « فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » وفي موضع « مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ » إشارة إلى تفاوت تلك الأزمنة الموهومة بشدّة أهوال أحوال أهل الآخرة وضعفها وطولها وقصرها وسرعة حساب بعضهم وخفّة ظهره وثقل أوزار قوم آخرين وطول حسابهم كما روى عن ابن عبّاس في قوله « كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » قال : هو يوم القيامة جعله اللَّه على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ، وأراد أنّ أهل الموقف لشدّة أهوالهم يستطيلون بقاهم فيها وشدّتها عليهم حتّى يكون في قوّة ذلك المقدار . وعن أبي سعيد الخدريّ قال : قيل لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في يوم القيامة كان مقداره خمسين ألف سنة : ما أطول هذا اليوم فقال : والَّذي نفسي بيده إنّه ليخفّ على المؤمن حتّى يكون عليه أخفّ من صلاة مكتوبة يصلَّيها في الدنيا . وهذا يدلّ على أنّه يوم موهوم وإلَّا لما تفاوت في الطول والقصر إلى هذه الغاية . إذا ثبت هذا فنقول : يحتمل أن يكون مراده عليه السّلام أنّ عبادة إبليس والملائكة الَّذين نقلنا في الخبر في الخطبة الأولى
--> ( 1 ) 22 - 46 . ( 2 ) 70 - 4 .