ابن ميثم البحراني

219

شرح نهج البلاغة

الشريعة . واستعار لفظ الأقفال لغواشى الجهل والهيئات الرديئة المكتسبة من الإقبال على الدنيا ، ووجه المشابهة أنّ تلك مانعة للقلب وحاجبة له عن قبول الحقّ والاهتداء به كما تمنع الأقفال ما يغلق عليه من التصرّف ، ورشّح بذكر الاستغلاق وإنّما أتى بلفظ الاستفعال لأنّ ذلك الرين كان أخذ في الزيادة ومنتقلا من حال إلى حال فكأنّ فيه معنى الطلب للتمام . ثمّ عقّب بالوصيّة بتقوى اللَّه على جرى عادته لأنّها رأس كلّ مطلوب ، ورغَّب فيها بكونها حقّ اللَّه عليهم : أي الأمر المطلوب له المستحقّ عليهم ، وبكونها موجبة على اللَّه حقّهم وهو جزاء طاعتهم له الَّذي أوجبه على نفسه ولزم عن كمال ذاته الفيّاضة بالخيرات بحسب استعدادهم له بالتقوى . ثمّ أشار إلى ما ينبغي للمتصدّي إلى التقوى وهو أن يستعين على قطع عقباتها باللَّه والانقطاع إليه أن يعينه عليها ويوفّقه بها فإنّ الانقطاع إلى معونته والالتفات إليه مادّة كلّ مطلوب . ثمّ إلى فائدتها وهي الاستعانة بها على اللَّه تعالى . ولمّا كان المطلوب منه الوصول إلى ساحل عزّته والنظر إلى وجهه الكريم والسلامة من غضبه ونقاش حسابه إذ هو تعالى الحاكم الأوّل كانت التقوى أجلّ ما يستعدّ به لحصول تلك المطالب ، وكان السعيد من استعان بها على دفع شدائده تعالى في الآخرة من المناقشة فإنّه لإخلاص منها إلَّا بها . ثمّ عقّب ذكرها ببيان ما يستلزمه من الأمور المرغوب فيها : منها كونها في اليوم : أي في مدّة الحياة حرزا وجنّة : أي من المكاره الدنيويّة لقوله تعالى « ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ » - من أمره - « مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ » ( 1 ) وفي غد : أي في يوم القيامة الطريق إلى الجنّة . وهو ظاهر ، ومنها كون مسلكها واضحا وظاهر أنّ الشارع صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أوضح طرق التقوى وكشف سبلها حتّى لا يجهلها إلَّا جاهل ، ومنها كون سالكها رابحا . واستعار لفظ الربح لما يحصل عليه المتّقى من ثمرات التقوى في الدنيا والآخرة ، ووجه الاستعارة أنّه بحركاته وتقواه الَّتي يشبه رأس ماله يستفيد الثواب كما يستفيد التاجر مكاسبه ، ومنها كون مستودعها حافظا . والمستودع بالفتح قابل الوديعة وبكسرها

--> ( 1 ) 65 - 2 .