ابن ميثم البحراني

220

شرح نهج البلاغة

فاعلها . والمراد على الرواية بالفتح كون قابلها حافظا لنفسه بها من عذاب اللَّه أو يكون حافظ بمعنى محفوظ ، وعلى الثانية فالمستودع لها إمّا اللَّه سبحانه . إذ هي الأمانة الَّتي عرضها على السماوات والأرض فأبين أن يحملها وأشفقن منها وحملها الإنسان وظاهر كونه تعالى حافظا على العبد المستودع أحواله فيها من تفريطه وتقصيره أو أمانته ومحافظته عليها ، وإمّا الملائكة الَّتي هي وسائط بين اللَّه تعالى وبين خلقه . وظاهر كونهم حفظة كما قال تعالى « ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً » وقوله « وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ » ( 1 ) . وقوله لم تبرح عارضة نفسها . إلى قوله الغابرين . كلام لطيف ، واستعار وصف كونها عارضة نفسها . ووجه الاستعارة كونها مهيّئة لأن تقبل وبصدد أن ينتفع بها كالمرأة الصالحة الَّتي تعرض نفسها للتزويج والانتفاع بها . ثمّ علَّل كونها لم تبرح كذلك لحاجة الخلق إليها غدا : أي يوم القيامة ترغيبا فيها بكونها محتاجا إليها ، ويحتمل أن يدخل ذلك في وجه الشبه . وقوله : إذا أعاد . إلى قوله : أسدى . كالقرينة المخرجة لغد عن حقيقته إلى مجازه وهو يوم القيامة ، وتعيين له بأنّه الوقت الَّذي يعيد اللَّه فيه ما كان أبداه من الخلق ويأخذ فيه ما كان أعطاهم من الوجود الدنيويّ ولواحقه ويقول : لمن الملك اليوم للَّه الواحد القهّار . وفي الحديث : إنّ اللَّه تعالى يجمع كلّ ما كان في الدنيا من الذهب والفضّة فيجعله أمثال الجبال ثمّ يقول : هذا فتنة بني آدم . ثمّ يسوقه إلى جهنّم فيجعله مكاوي لجباه المجرمين ويسألهم فيه عمّا أسدى إليهم فيه من نعمه فيسأل من ادّخرها لم ادّخرها ولم ينفقها في وجوهها المطلوبة للَّه ، ويسأل من أنفقها في غيره وجهها فيقول . أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها . ويجازي الأوّلين بادّخارها كما قال « والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ » ( 2 ) الآية ، ويجازي الآخرين بصرفها في غير وجهها كما قال « فَالْيَوْمَ

--> ( 1 ) 82 - 10 . ( 2 ) 9 - 34 .