ابن ميثم البحراني

218

شرح نهج البلاغة

قبل فعلها مصادرة على المطلوب . والجواب الحقّ أنّه لو علمها بعد أن لم يعلمها لكان علمه بها حادثا في ذاته فكان محلَّا للحوادث وهو محال لما سبق . وقوله : ولا حضرة ملأ . أي ولم يكن خلقه لما خلق بحضرة جماعة من العقلاء بحيث يشير كلّ منهم عليه برأي ويعينه بقول في كيفيّة خلقه حتّى يكون أقرب إلى الصواب لأنّ كلّ جماعة فرضت فهي من خلقه فلا بدّ أن تصدر عنه الأمور لا بحضرة أحد ، ولأنّ ذلك يستلزم حاجته إلى المعين والظهير والحاجة يستلزم الإمكان المنزّه قدسه عنه . وإليه الإشارة بقوله تعالى « ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ والأَرْضِ ولا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً » ( 1 ) وكلّ ذلك تنزيه لفعله عن كيفيّات أفعال عباده . ثمّ أردف ذلك باقتصاص أحوال الخلق حال انبعاث اللَّه رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . والواو في قوله : والناس . للحال : أي والناس يسيرون عند مقدمه في جهالة . وهو كناية عن تصرّفاتهم على جهل منهم بما ينبغي لهم من وجوه التصرّف ، ويحتمل أن يريد وتسيرون في شدّة وذلك أنّ العرب كانت حينئذ في شدائد من ضيق المعاش والنهب والغارات وسفك الدماء كما قال عليه السّلام فيما قبل : إنّ اللَّه بعث محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم نذيرا للعالمين ، وأمينا على التنزيل ، وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار . الفصل . وكذلك قوله : ويموجون في حيرة . كناية عن تردّدهم في حيرة الضلال والجهل أو في حيرة من الشدائد المذكورة . وقوله : قد قادتهم أزمّة الحين . أي قد تداعوا للموت والفناء من كثرة الغارات وشدائد سوء المعاش وظلم بعضهم لبعض لأنّ الناس إذا لم يكن بينهم نظام عدليّ ولم يجر في أمورهم قانون شرعيّ أسرع فيهم ظلم بعضهم البعض واستلزم ذلك فناؤهم ، ولمّا استعار لفظ الأزمّة رشّح بذكر القود . وقوله : واستغلقت . إلى قوله : الرين . أراد رين الجهل وتغطيته لقلوبهم عن أنوار اللَّه تعالى والاستضاء بأضواء

--> ( 1 ) 18 - 49 .