ابن ميثم البحراني
198
شرح نهج البلاغة
فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ » ( 1 ) فيكون مراده عليه السّلام على هذا أنّه لا يصدق اسم الاستضعاف على من عرف الإمام وبلغته أحكامه ووعاها قلبه وإن بقي في وطنه ولم يتجشّم السفر إلى الإمام كما لا يصدق على هؤلاء المذكورين في الآية . والثانية : قوله تعالى بعد ذلك « إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ » ( 2 ) فيكون مراده على هذا أنّ من عرف الإمام وسمع مقالته ووعاها قلبه لا يصدق عليه الاستضعاف كما صدق على هؤلاء . إذ كان المفروض على الموجودين في عصر الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم المهاجرة بالأبدان دون من بعدهم بل يقنع منه بمعرفته والعمل بقوله بدون المهاجرة إليه بالبدن : وأقول : يحتمل أن يريد بقوله ذلك أنّه لا عذر لمن بلغته دعوة الحجّة وسمعها في تأخّره عن النهوض والمهاجرة إليه مع قدرته على ذلك ولا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما يصدق المستضعفين من الرجال والنساء والولدان حتّى يكون ذلك عذرا له بل يكون في تأخّره ملوما مستحقّا للعذاب كالَّذين قالوا إنّا كنّا مستضعفين في الأرض ، ويكون مخصوصا بالقادرين على النهوض كما قلناه دون العاجزين فإنّ اسم الاستضعاف صادق عليهم . وهذا الاحتمال إنّما يكون جايز الإرادة من هذا الكلام على تقدير أن يكون إطلاق اسم المهاجر على الإنسان في الكلام المقدّم مشروطا بمعرفة الإمام بالمشاهدة والسفر إليه . إذ لو جاز عليه أن يطلق عليه المهاجرة مع عدم السفر إلى الإمام لما كان ملوما في تأخّره عنه . السادسة : قوله : إنّ أمرنا صعب مستصعب . فأمرهم شأنهم وما هم عليه من الكمال الخارج عن كمالات من عداهم من الأُمّة والأطوار الَّتي يختصّ بها عقولهم وراء عقول غيرهم فيكون لهم عن ذلك القدرة على ما لا يقدر عليه غيرهم والإدراكات الغيبيّة بالنسبة إلى غيرهم والإخبار عنه كالوقائع الَّتي حكى عنها عليه السّلام ثمّ وقعت على وفق قوله وكالأحكام والقضايا الَّتي اختصّ بها ونقلت عنه فإنّ هذا الشأن صعب في نفسه لا يقدر عليه إلَّا الأنبياء وأوصياء الأنبياء ومستصعب
--> ( 1 ) 4 - 99 . ( 2 ) 4 - 100 .