ابن ميثم البحراني

199

شرح نهج البلاغة

الفهم على الخلق معجوز عن احتمال ما يلقى منه من الإشارات والإخبارات عمّا سيكون والقدرة على ما يخرج عن وسع مثلهم ولا تحتمله ولا تقبله إلَّا نفس عبد امتحنها اللَّه للايمان كقوله تعالى « إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ » ( 1 ) أي أعدّها بالامتحان والابتلاء بالتكاليف العقليّة والنقليّة لحصول الإيمان الكامل اليقينيّ باللَّه ورسوله وكيفيّة سلوك سبيله ، وتجلَّت بالكمالات العلميّة والفضايل الخلقيّة حتّى عرفت مبادي كمالاتهم ومقاديرها وكيفيّة صدور مثل هذه الغرايب عنها فلا يستنكر ما يأتون به من قول أو فعل ولا يلقاه بالتكذيب كما كانت جماعة من أصحابه عليه السّلام يفعلون ذلك معه فيما كان يخبر به عن الفتن حتّى فهم ذلك منهم فقال : يقولون : يكذب . قاتلهم اللَّه تعالى فعلى من أكذب أعلى اللَّه وأنا أوّل من آمن به أو على رسوله وأنا أوّل من صدّقه كما حكينا ذلك فيما سبق ، بل يحتمل كلّ ما يأتون به على وجهه ويستنده إلى مبدئه ويفرح بوصول ما يرد عليها من أسرارهم الإلهيّة . فأولئك وأمثالهم هم أصحاب الصدور الآمنة الَّتي تعي ما يلقى إليها من تلك الأسرار ويصونها عن الإذاعة إلى من لا ينتفع بها وليس بأهل لها فهي مأمونة عليها ، وأولو الأحلام الرزينة الَّتي لا يستفزّها سماع تلك الغرايب ومشاهدتها منهم فيحملهم ذلك على إذاعتها واستنكارها بل يحملها على الصواب ما وجدت لها محملا فإذا عجزت عن معرفتها ثبتت فيها وآمنت بها على سبيل الإجمال وفوّضت علم كنهها إلى اللَّه سبحانه . وأراد قلوب صدور أمينة أو أصحاب صدور أمينة وأصحاب أحلام رزينة فحذف المضاف . ويحتمل أن يكون قد أطلق اسم الصدور والأحلام مجازا عن أهلها إطلاقا لاسم المتعلَّق على المتعلَّق ونقل عنه عليه السّلام مثل هذا الكلام في غير هذا الموضع من جملة خطبة له : أنّ قريشا طلبت السعادة فشقيت . وطلبت النجاة فهلكت . وطلبت الهدى فضلَّت ألم يسمعوا ويحهم قوله تعالى « الَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » ( 2 ) فأين العدل والنزع عن ذرّيّة الرسول الَّذين شيّد اللَّه بنيانهم فوق البنيان وأعلى رؤوسهم واختارهم عليهم . ألا إنّ

--> ( 1 ) 49 - 3 . ( 2 ) 52 - 21 .