ابن ميثم البحراني
108
شرح نهج البلاغة
قضيّتان ظاهرهما التناقض لكن قد علمت أنّ المطلقتين لا يتناقضان ، واختلافهما يحتمل أن يكونا بالموضوع أو بالإضافة فإنّهم من أهل الدنيا بأبدانهم ومشاركاتهم الضروريّة لأهلها في الحاجة إليها وليسوا من أهلها بقلوبهم . إذ خرجوا عن ملاذّها ونعيمها واستغرقوا في محبّة اللَّه وما أعدّ لأوليائه الأبرار في دار القرار فهم أبدا متطلَّعون إليه وشاهدون لأحوال الآخرة بعيون بصائرهم كما قال عليه السّلام فيما قبل في صفتهم : فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها متنعّمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون . ومن كان كذلك فحضوره القلبيّ إنّما هو في تلك الدار فكان بالحقيقة من أهلها . وقوله : عملوا فيها بما يبصرون . أي كان سعيهم وحركاتهم البدنيّة والنفسانيّة في سبيل اللَّه ببصيرة ومشاهدة لأحوال تلك الطريق وما تفضي إليه من السعادة الباقية ، وعلم بما يستلزمه الانحراف عنها من الشقاوة اللازمة الدائمة ، والباء للتسبّب . وما مصدريّة ، ويحتمل أن تكون بمعنى الَّذي : أي بالَّذي يبصرونه ويشاهدونه من تلك الأحوال فإنّ علمهم اليقين بها هو السبب القائد والحامل لهم في تلك الطريق وعلى سلوكها . وقوله : وبادروا فيها ما يحذرون . والمبادرة المسابقة والمعاجلة وهى مفاعلة من الطرفين ، والمراد أنّهم سابقوا ما يحذرون من عذاب اللَّه المتوعّد في الآخرة كأنّه سابق لهم إلى أنفسهم وهم مسابقوه إلى خلاصها فسبقوه إلى النجاة . إذ كانوا راكبين لمطاياها ، ومتمسّكين بعصمها وهى أوامر اللَّه وحدوده . وقوله : تقلَّب . إلى قوله : الآخرة . أي تتقلَّب . فحذف إحدى التائين تخفيفا . فالمعنى أنّ دأبهم معاشرة أهل الآخرة والعاملين لها دون أهل الدنيا ، وقيل : يحتمل أن يريد بأهل الآخرة سائر الناس لأنّ مستقرّهم الأصلي ودار قرارهم هي الآخرة كما قال تعالى « وإِنْ