ابن ميثم البحراني
109
شرح نهج البلاغة
الآخرة هي دار القرار » ( 1 ) والمعنى على هذا الوجه أنّهم مع الناس بأبدانهم فقط تتقلَّب بينهم وأرواحهم في مقام آخر . وقوله : يرون . إلى آخره . الغرض الفرق بينهم وبين أهل الدنيا . إذ كان أهل الدنيا لا يرون أنّ وراء أبدانهم كمالا آخر فكانوا غافلين عن أحوال الآخرة من سعادة أو شقاوة فكان أعظم محبوباتهم بقاء أجسادهم وتكميلها ، وأعظم منفور عنه لهم نقصانها وموتها : أمّا المتّقون فهم وإن كانوا يرونهم بتلك الحال إلَّا أنّهم يرون أفضل ممّا يرون ، وهو أنّ موت قلوبهم وفقدانها للحياة بالعلم والحكمة أعظم من موت أجسادهم ، وذلك لعلمهم بفساد الحياة البدنيّة وانقطاعها وكدرها بعوارض الأمراض وساير المغضبات الدنيويّة ، وبقاء الحياة النفسانيّة وشرف كمالها وصفاء لذّاتها عن الأقدار والأكدار . وإنّما قال : قلوب أحيائهم ، ولم يقل : قلوبهم لأنّ موت القلوب قد يكون حقيقة بموت الأجساد ، وقد يكون مجازا وهو موتها بفقدان العلم ونور الحكمة مع حياة أجسادها فكان ذكر الأحياء كالقرينة المعيّنة لمراده بذلك الموت مجازا ، والضمير في قوله : أحيائهم يعود إلى أهل الدنيا لأنّ موت القلوب هو الواقع بهم حال حياة أبدانهم ، ويحتمل عوده إلى قوله : وهم . الَّذي هو ضمير المتّقين . وباللَّه التوفيق . 222 - ومن خطبة له عليه السّلام خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدي في كتاب الجمل فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ - فَلَمَّ اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ ورَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ - وأَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الأَرْحَامِ - بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ - والضَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ
--> ( 1 ) 40 - 42 .