ابن ميثم البحراني
81
شرح نهج البلاغة
ذلك أنّ صدقة العلانية تستلزم الشهرة بفعل الخيرات وتوجب الذكر الجميل للمتصدّق ، ولمّا كانت ميتات السوء كالحرق والغرق والصلب والقتل ونحو ذلك من الأحوال الشنيعة الَّتي تكثر نفرة الناس عن الموت عليها . وكان قليلا ما يقع شيء منها بقصد من الناس لمن أحبّوه واشتهر بالرحمة واستجلاب قلوب الفقراء بالصدقة والإيثار . فلا جرم كانت تلك الصدقة مظنّة الدفع لميتات السوء . الحادي عشر : صنايع المعروف وذكر من فوائدها أنّها تقى مصارع الهوان ، وتقريره قريب ممّا قبله . إذ كان اصطناع المعروف مستلزما لتألَّف قلوب الخلق وجامعا لهم على محبّة المصطنع فقلَّما يقع من ذلك نسيبهم في مصرع هوان ثمّ لمّا فرغ من تعداد كمالات الإيمان أمر بما يؤكَّده في القلوب ويثبّته وهي أمور : أحدها : الاندفاع في ذكر اللَّه . وهو من مؤكَّدات الإيمان به ، ورغَّب فيه بكونه أحسن الذكر ، وذلك لما يستلزمه من الحصول على الكمالات المسعدة في الآخرة والوصول إلى اللَّه كما سنبيّن فائدته وفضيلته في موضع التوبة . الثاني : الرغبة فيما وعد المتّقين من ثواب الآخرة وأنواعه . وهو أيضا من مؤكَّدات طاعته والعمل له ، ولمّا كان الخلف في خبره تعالى محالا كان وعده أصدق الوعود . الثالث : الاقتداء بهدى النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . الرابع : اتّباع سنّته . ولمّا كان أفضل الأنبياء كانت سنّته أشرف السنن والاقتداء به واتّباع سنّته أهدى الطرق إلى اللَّه . الخامس : تعلَّم القرآن . وظاهر كونه من مؤكَّدات الإيمان باللَّه ورسوله ، واستعار له لفظ الربيع ، ووجه المشابهة كون القرآن جامعا لأنواع العلوم الشريفة والأسرار العجيبة اللطيفة الَّتي هي متنزّه القلوب كما أنّ زمن الربيع محلّ الأزهار الرايقة الَّتي هي مستمتع النظر ومطرح السرور . السادس : الاستشفاء بنوره ، وظاهر كونه شافيا للقلوب من ظلمة الجهل . السابع : حسن تلاوته . وذلك لأنّ حسن تلاوته مظنّة تفهّم معانيه وتدبّرها ،