ابن ميثم البحراني

82

شرح نهج البلاغة

وبحسن تلاوته تظهر فايدته وتحصل منفعة قصصه ، وإنّما يكون أنفع القصص إذا تلي حقّ تلاوته كما سبق بيانه . ثمّ أكَّد الأوامر المذكورة بالأعمال الَّتي عدّدها ممّا ينبغي أن يعمل على وفق العلم بالتنبيه على نقصان العالم الَّذي لا يعمل بعلمه فسوّى أوّلا بينه وبين الجاهل العادل عن سواء سبيل اللَّه ، ووجه التسوية اشتراكهما في ثمرة الجهل وهو الجور عن قصد السبيل وفي عدم الانتفاع بفائدة العلم وثمرته وهي الأعمال الصالحة . ثمّ جعل حال العالم أخسّ لثلاثة أوجه : أحدها : أنّ الحجّة عليه أعظم لأنّ للجاهلين أن يقولوا : إنا كنّا عن هذا غافلين . وليس للعالم ذلك ، وروى عن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : العلم علمان : علم على اللسان فذلك حجّة اللَّه علي بن آدم ، وعلم في القلب فذلك العلم النافع . أي الَّذي يستلزم الطاعة بالعمل . الثاني : أنّ الحسرة له ألزم . وذلك أنّ النفوس الجاهلة غير عالمة بمقدار ما يفوتها من الكمال بالتحصيل فإذا فارقت أبدانها فهي وإن كانت محجوبة عن ثمار الجنّة وما أعدّ اللَّه فيها لأوليائه العلماء إلَّا أنّها لمّا لم تجد لذّتها ولم تطعم حلاوة المعارف الإلهيّة لم تكن لها كثير حسرة عليها ولا أسف على التقصير في تحصيلها بخلاف العارف بها العالم بنسبتها إلى اللذّات الدنيويّة فإنّه بعد المفارقة إذا علم وانكشف له أنّ الصارف له والمانع عن الوصول إلى حضرة جلال اللَّه هو تقصيره في العمل بما علم مع علمه بمقدار ما فاته من الكمالات والدرجات كان أسفه وحسرته على ذلك أشدّ الحسرات . وجرى ذلك مجرى من علم قيمة جوهرة ثمينة يساوى جملة من المال ثمّ اشتغل عن تحصيلها ببعض لعبه حتّى فاتته فإنّه يعظم حسرته عليها وندمه على التفريط فيها بخلاف الجاهل بقيمتها . الثالث : أنّه يكون عند اللَّه ألوم ، وأشدّيّة اللائمة بعد المفارقة مجاز في انقطاع لسان حاله عن العذر في معصيته عن علم وإنّما يكون ألوم لأنّ إقدام العالم على المعصية الَّتي علم قبحها إنّما يكون عن نفس في غاية الانقياد للنفس الأمّارة بالسوء والطاعة لإبليس وجنوده طاعة تفضل على طاعة الجاهل وانقياده لقيام الصارف في حقّ العالم